الحلقة الأولى
ينعت الكاتب محمد ضريف بمتخصص في الجماعات الإسلامية. وهذا ما أخبرتنا به جريدة "الصباح" المغربية ليوم 13-10-2009م. وهذه الجماعات بحكم اللغة والاصطلاح، عرفت قديما بالفرق، ونعتها الدكتور محمد عمارة بالأحزاب. ولا مانع من أن تدعى بالطوائف، ما دامت هي عبارة عن مجموعة "من الناس، توحد بينهم ميول أو مبادئ متشابهة، وتقابلها مجموعة أخرى معارضة".
فهل يتعلق موضوع تخصص ضريف بالجماعات التي أخذت في الظهور منذ مقتل عثمان بن عفان؟ أو منذ مقتل علي بن أبي طالب؟ أم إنه يتعلق بطرق صوفية ينظر إليها كضربة قاضية موجهة للتصوف السليم الذي ظهر مع رواده الأوائل أمثال: عبد الله الأبهري (ت 330ه). ورويم بن أحمد (ت 303ه). وأحمد الأدمي (ت309ه) الذي قال: "من ألزم نفسه آداب الشريعة نور الله قلبه بنور المعرفة. ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه"!
أم إن موضوع تخصص ضريف يتعلق بجماعات صوفية أو شبه صوفية. لا تعدو أن تكون امتدادا لكل الطرق المتفرعة عن الشاذلية أو عن القادرية. فضلا عن التجانية التي لا تنتمي إلى هذه ولا إلى تلك؟
إننا لا ننكر صلة الطوائف الصوفية المغربية جميعها بالسياسة, فتاريخ المغرب – كما يعرف ضريف – يقدم نماذج محسوسة على انخراطها في مختلف الأحداث التي تشكل هذا التاريخ. كانت اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو فكرية، أو تربوية.
إلا أن الدور السياسي لمختلف الطرق أو الزوايا لا يتمثل باستمرار في معارضة الأنظمة، وإنما يتمثل كذلك في مدها بالدعم اللازم لاستمرارها. مما يعني وجود زوايا منذ قرون كمجرور أو كمفعول به،، لا كجار ولا كفاعل. فالزاوية الدلائية والحاحية والتزرولتية (= السملالية) غير الزاوية القادرية والتجانية والبودشيشية التي قال شيخها الحالي حمزة بن العباس لصحفي من جريدة "المساء" المغربية: "أنا ما ليش في السياسة"! لكن رأيه الذي أعلنه هكذا، جعل منه أداة هدامة في يد السياسيين المحترفين. وفي مقدمتهم الأمريكيون الذين يؤيدون ظهور "الإسلام البارد" على حساب "الإسلام الساخن"! والحال أن العمل على ظهوره دفع غير بريء إلى القبول مجددا بالفكر الظلامي الديني الذي عمل السلفيون المعاصرون في المغرب تحديدا على إقباره للخطر الذي يشكله على النهضة والنهضويين!
وهنا أنبه إلى أن ما يميز قراءتي للطرق أو للجماعات الإسلامية عن قراءة محمد ضريف لها، هو أن ما ينجزه الرجل، إنما ينجزه عن قناعة في حدود "الدولة الوطنية". بينما أنجزه أنا في حدود "الدولة الإسلامية" التي لم أجزم قط بأنها قد ولت إلى غير رجعة! إذ الوصول إلى الحسم بخصوص مشروعية هذه أو تلك إشكال سوف تبث فيه الأمة لا الزعامات السياسية مهما طال الزمن!
فإن صرح الدستور بأن دين الدولة الرسمي هو "الإسلام". في إشارة منه مبطنة إلى أنه "دولة وطنية". فإن العاهل المغربي أمير المؤمنين، وحامي الملة والدين، قد صرح لإحدى الصحف الإسبانية بأن المغرب "دولة إسلامية". بحيث تكون قراءة محمد ضريف للجماعات الدينية في الحاضر الماثل (وخاصة التجانية). قراءة لإبراز دورها في تحريك الأحداث لفائدة الدول التي لها فيها أتباع من الكثرة بمكان… كالمغرب، والجزائر، والسنغال، وغيرها من دول إفريقية بالخصوص!
في حين أن قراءتي لها – كما سوف يتضح – قراءة دينية. والقراءة الدينية عندي لا تفصل بين السياسي والاجتماعي والتعليمي،، إلى آخره. ما دام الدين عند المتمسكين به دينا ودولة. إن له جانبه النظري، وجانبه العملي،،، وإنه فكر وممارسة،،، إنه - بعبارة أخرى – قناعات وتطبيقات على صعيد الواقع المتصف بالحركة الدؤوبة. فالسياسي منه مثلا مرتبط بالأخلاقي ويقوم عليه.
بينما هو عند ضريف دين لا دولة. إذ لو كان عنده دينا ودولة لما انتهى به التحليل إلى إنصاف التجاني المفتري، وإلى ظلم المولى سليمان الصادق! فقد كان من المفروض – لو أنه قرأ التجاني والمولى سليمان في حدود "الدولة الدينية" – أن يدين حامل لواء الزندقة، وينصف حامل لواء التسنن المناهض للهرطقة بكل أنواعها على عهده. أما اللجوء إلى أداة قياس الحاضر على الغائب لامتداح زنديق ثبت بأدلة قاطعة أنه كذلك. فلجوء إلى أداة غير محببة! لأن الزندقة صفة لزنديق لا يمكن إسقاطها بالتقادم! كما أن التسنن صفة لمتسنن لا يمكن إلغاؤها بجرة قلم حموج إلى البروز على الأقران في مجال التعليقات والتحليلات السياسية!
الحلقة الثانية
دافع ضريف عن التجاني الذي نشك في كونه على بينة من أمره! إنه في نظره مغربي الجنسية! وهو المولود بقرية عين ماضي الجزائرية عام 1150ه. فقط لأن الحدود أو الحواجز، وجوازات السفر – كما يبدو من كلامه – وليدة عصرنا الحاضر… بينما هي غائبة قبله حيث كان من حق أي مواطن عربي أو مسلم أن يقيم حيث يريد. مما يعني أن المعتمد بن عباد مغربي… وأن الشاذلي المغربي مصري الجنسية… وابن العريف الأندلسي مغربي! بينما كان من المنطقي أن تفخر كل دولة في القديم والحديث بعلمائها وبكبارها ولو ماتوا بعيدا عنها ودفنوا حيث ماتوا. وإلا كان من حق الأمريكيين اعتبار شعراء المهجر القادمين من دول مشرقية أمريكي الهوية! وكان من حق القيمين على أكثر من متحف في العالم الغربي أن يعتبروا ما احتوته متاحفهم من آثار مصرية… وسودانية… وعراقية… وأردنية… آثار غربية لمجرد وصولها إلى بلدانهم بطرق مختلفة!
إن الطرح الذي يدافع عنه ضريف – في شأن جنسية ممدوحه – تقتضيه أدبيات "الدولة الوطنية". فصاحبه يريد الإدلاء بدلوه في موضوع الخصام المحترم سياسيا حول التجاني بين الدولتين الجارتين: الجزائر والمغرب! إنه نزاع موضوعه ادعاء كل طرف منهما حق امتلاك، أو حق تملك هالك تحولت عظامه – لا شك – منذ زمن بعيد إلى مجرد رميم، بعد أن مرت بمرحلة كانت فيها عظاما نخرة. ولم يبق للمتصارعين غير تحويل نزاعهما حول زنديق - للأسف الشديد – إلى محكمة دولية تعنى بفض النزاعات بين الدول! بحيث يصبح من حق المتنازعين تنصيب وكيل أو وكلاء للدفاع عن أطروحتيهما! ولا نظن أن الكاتب محمد ضريف مؤهل ليصبح نائبا عن هذا الطرف أو عن ذاك!
إن المدافع عن الظالم خاسر لا محالة! ولو ادعى أنه صاحب قضية! فالمولى سليمان لم يتعلم من التجاني ما يطلق عليه اليوم، اسم "الإسلام المعتدل"! ولا كانت "رغبته في تعميم تطبيق إسلام سني مغربي" متسمة بنوع من التشدد كما يقول ضريف! ولا كان لدى التجاني الهرطقي، ما يضيفه من فهم في الدين لملك عالم متصف بالتسنن في الأقوال والأفعال. إذ كيف يستفيد رجل معتدل عادل من فاسق متطرف ظالم؟ وكأن ظريف يريد إخبارنا من طرف خفي – كما قلنا - بأن المولى سليمان وقع ضحية تأثير الفكر الوهابي القادم من المشرق! مما يستدعي توضيح هذا الزعم في غير ما عناء!
فماذا عن التجاني الجزائري الذي نؤكد جازمين بأنه مارق خبيث كذاب؟
من سيرته الغارقة في الأضاليل والكرامات الزائفة، يقف الراغب على حقيقة ما ندعيه، ومعنا من الحجج ما يكفي لإدانته. وسيرته يتضمنها الكتاب المنسوب إليه: "جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التجاني" بقلم تلميذه الذي شاركه في جرم تضليل آلاف من الأتباع والمتعاطفين: علي حرازم بن العربي برادة المغربي الفاسي؟
فما هي "جواهره" التي يتضمنها كتابه؟ وما هو "فيضه"؟ وكيف يتم بلوغ "الأماني" المزعومة اعتمادا على جواهره وعلى فيضه كليهما؟
زار التجاني المغرب مرتين قبل استقراره بفاس إلى حين وفاته. ويبدو أنه كان يسعى إلى تحقيق أكثر من هدف.
1- الاطلاع على الصلاح وأهله. فكان أن قابل الكثير من الشيوخ الذين تلقى منهم أورادا وأسرارا كما يدعي.
2- الوقوف على واقع العقلية المغربية لمعرفة ما إذا كانت ستقبل بالقناعات النظرية وبالممارسات التطبيقية التي سوف تميز طريقته عن باقي الطرق.
3- حمل الرجل – لا شك – في ذهنه مخططا رأى بعد التحري والاستقراء أن المغرب مجال صالح لتطبيقه. والمخطط الذي يحمله، إما أن يكون من بنات أفكاره! وإما أن يكون متعهدا بتنفيذه بإيعاز من جهة يهمها أن تشوه الدين وتحرفه للوصول إلى إنجاز مشاريع مضمرة خبيثة!
وهذا "شيخ الطريقة التجانية صاحب السجادة الكبرى محمد الكبير – بالجزائر – يقول في خطبة ألقاها أمام الكولونيل يسكوني في زيارة له عام 1931م "إن من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا ماديا وأدبيا وسياسيا. ولهذا فإنني أقول، لا على سبيل المن والافتخار، ولكن على سبيل الاحتساب والتشرف بالقيام بالواجب: إن أجدادي قد أحسنوا صنعا في انضمامهم إلى فرنسا! قبل أن تصل إلى بلادنا! (ليفهم ضريف من هذا الكلام ما يحلو له!). ففي سنة 1838م، كان أحد أجدادي قد أظهر شجاعة نادرة في مقاومة أكبر عدو لفرنسا: الأمير عبد القادر الجزائري"! وأحد أجداده، لن يكون غير حفيد من حفدة التجاني الذي أنجز على أرض المغرب مخططا تحوم حوله حتى الآن جملة من الشكوك! وهذه بعض الأدلة على صحة القناعات التي ندافع عنها في وجه من يعانقون الفكر الظلامي الديني بكل تفان وبكل إخلاص. وفي وجه المروجين له والمدافعين عن صاحبه الذي كان وراء ابتداعه وإرساء الكثير من قواعده!
1- ادعى التجاني مقابلة الرسول في اليقظة! وأنه شيخه المباشر دون من قابلهم من الشيوخ بالمغرب وخارجه!
2- من ضمن ورده الذي عينه له ص – على حد زعمه – "الياقوتة الفريدة". وهذه صيغتها: "اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم".
وهذه الصيغة التي هي من ضمن صيغ الصلاة الموضوعة على المختار، ليست من كلام بشر! كما أخبره بذلك ص في اليقظة! إنها وحي نزل على محمد البكري المصري في صحيفة من نور! وقد برهنت في مؤلفي "التصوف الطرقي بالمغرب المعاصر: سوس نموذجا" بأن البكري جمعها من عدة مصادر أبرزها "نهج البلاغة" الذي ورد فيه قول علي بن أبي طالب: "اجعل شرائق صلواتك، ونوامي بركاتك، على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، والمعلن الحق بالحق"! بحيث إن التجاني فيما ادعاه كذاب، آثم، فاسق!!!
الحلقة الثالثة
امتهن التجاني الكذب أكثر من مرة! فقد ادعى مقابلة الرسول في اليقظة! وادعى أنه هو شيخه! ثم ادعى أنه وظف عليه – كعنصر من عناصر ورده – مسمى "الياقوتة الفريدة"! ثم ادعى أنها ليست من كلام بشر! وإنما هي وحي حمله ملك في صحيفة من نور إلى محمد البكري المصري!
أما ثواب من قرأ "الياقوتة الفريدة" مرة واحدة، فثواب من ختم القرآن ستة آلاف مرة (هذا ما أخبره به الرسول في اليقظة!!!). وبما أن التجانيين يقرؤونها خمسين مرة في اليوم – وهم يؤدون مسمى الوظيفة – فهذا يعني أن الثواب الذي سوف يحصلون عليه، هو ثواب من ختم القرآن الكريم ثلاثمائة ألف ختمة! وفي هذا الادعاء المرفوض بمنطق المنقول والمعقول، دعوة صريحة إلى التقليل من أهمية القرآن! وإلى التخلي عن قراءته! إذ في قراءته مضيعة لوقت التجاني الذي يكفيه أن يقرأ "الياقوتة الفريدة" مرة واحدة ليحصل على أجر لم يحلم به، لا السابقون ولا اللاحقون من عباد الله المخلصين!
ليس هذا فحسب، بل إن الرسول قد قال في اليقظة للزنديق الجزائري المفتري: "إن من صلى بها مرة واحدة، حصل له ثواب ما إذا صلى بكل صلاة وقعت في العالم من كل جن وإنس وملك ستمائة ألف صلاة، من أول العالم، إلى وقت تلفظ الذاكر بها! أي كأنه صلى بكل صلاة ستمائة ألف صلاة من جميع صلاة المصلين عموما، ملكا وجنا وإنسا. وكل صلاة من ذلك بأربعمائة غزوة! وكل صلاة من ذلك بزوج من الحور! وعشر حسنات! ومحو عشر سيئات! ورفع عشر درجات! وأن الله يصلي عليه وملائكته بكل صلاة علي (يقول الرسول) عشر مرات!!!
وشرح ما نسبه الزنديق التجاني إلى المختار نوجزه في الآتي:
1- من صلى ب"الياقوتة الفريدة" على الرسول مرة واحدة، حاز من الثواب كل ما حازه من أدوا الصلاة لله عز وجل من بداية العالم إلى وقت تلفظ الذاكر بها! فلو قرأتها شخصيا الآن – كتجاني – لحصلت على جميع أجر من عبدوا الله من ملك،ومن جن، ومن إنس منذ بداية العالم إلى الآن! فتكون النتيجة أنني قد حصلت على جزاء لم يحصل عليه نبي ولا رسول ولا أي مخلوق من مخلوقات الله عز وجل!
2- قراءة واحدة ل"الياقوتة الفريدة" تعدل 600 ألف صلاة! وكل صلاة من هذه توفر لصاحبها من الحسنات ستة ملايين! كما توفر له 400 غزوة! يعني أنه يحصل على أجر من غزا في سبيل الله 240 مليون غزوة!!! ويكون بين يديه لإدخال السرور عليه وهو في الجنة مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين مليونا ومائتي ألف من الحور العين! وتضاف إلى حسناته ستة ملايين! وتمحى عنه ستة ملايين من السيئات! ويرفع ستة ملايين درجة! ويصلي عليه الله وملائكته ستة ملايين مرة! وهذا كله لأنه قرأ "الياقوتة الفريدة" مرة واحدة! وماذا لو قرأها كل يوم خمسين مرة كتجاني ملتزم؟ يعني ألفا وخمسمائة مرة في الشهر! فما علينا غير إجراء عملية حسابية لنجد كيف أن الله تعالى محا عنه في الشهر الواحد تسعة ملايير سيئة! إنما ما الذي يجيبنا به الزنديق التجاني إن نحن أخبرناه باستحالة ارتكاب أي إنسان في الشهر الواحد لتسعة ملايير سيئة حتى ولو كان شيطانا رجيما لعنه الله!!!
3- هل يوجد عالم واحد منذ البعثة المحمدية حتى الآن يدعي أن الرسول شاعر؟ أو أنه سوف يصبح شاعرا بعد وفاته؟ أما التجاني فقد نسب إليه في الجواهر ما دعاه شعرا، وهو عن مفهوم الشعر بعيد بعد السماء عن الأرض! وها هو ذا نموذج من شعره الذي نفى القرآن صراحة نسبة الشعر إليه:
فبالمجد والتحميد تتجلى ذاته وبالقصد كان المنع لي وحدي!
وبحق الحق ترى حقيقتــه وبالحق لا بالحق احتجب عني زندي!
وفي تدبير أمره أحاطت قدرته وبالقصد لا بالقصد احتجب عنهم أخذي!
فاغرق في بحر الوحدة ترى وحدته ترتفع عنك الحجب حتى ترى الأسود بالضد!
إنه شعر فصيح بليغ من نظم الرسول في حدود القرن الثاني عشر الهجري! بعث به إلى التجاني بواسطة زنديق آخر مثله هو المدعو محمد بن العربي التازي! وما علينا الآن غير تقديم ما أعلن التجاني من خلاله صراحة كفره!
قال: "فمنهم (أي من المتدينين عبر العالم) المتوجه إلى صورة الحضرة الإلهية نصا جليا في محور الغير والغيرية (كالموحدين). ومنهم المتوجه إلى صورة الحضرة العلية من وراء ستر كثيف، وهم عبدة الأوثان ومن ضاهاهم (كعبدة الحيوانات ومظاهر الطبيعة). فإنهم في توجههم إلى عبادة الأوثان، ما توجهوا لغير الحق سبحانه وتعالى، ولا عبدوا غيره"!!! مما يعني أن عقيدة المسلمين والبوذيين والطوطميين والصابئين والمجوسيين واليهود والنصارى عقيدة واحدة ومعبودهم واحد! فالأديان إذن متساوية ومتناسقة!!!
الحلقة الرابعة
ومما تجب ملاحظته هو الإشارة الموجزة إلى أن حديث الرسول عبارة عن أقواله، وأفعاله، وتقريراته. والسؤال الذي ألزمنا الزنديق التجاني بطرحه يقول: هل يتعلق الأمر بحديث الرسول قبل التحاقه بالرفيق الأعلى؟ أم يتعلق بحديثه الذي سوف يرويه عنه المخبولون الذين يدعون مقابلته في اليقظة ويستفيدون منه؟
فإن صح هذا الطرح، من منظور النقل والعقل! يعني أن الرسول بعد وفاته يقابل المحظوظين من المتصوفة بالتحديد. صح أن ما يخبرهم به في اليقظة لا في المنام من أقوال ومن أفعال ومن تقريرات، هو حديثه الذي لا يتطرق إليه أدنى شك! يعني أن "الياقوتة الفريدة" كما قال سيد الناس حديث من أحاديثه! وأن هذه "الياقوتة الفريدة" أفضل من كل ما يتقرب به العبد إلى ربه.. إنها تعادل عبادة كل عابد مند أن أوجد الله العالم من العدم إلى النفخ في الصور! كما أخبر الرسول الزنديق التجاني بهذا الضلال حسب زعمه؟ فضلا عن كون الشعر الذي ساقه في "جواهره" شعر الرسول الموزون المقفى البليغ الفصيح الذي يشخص لغته المعروفة في عصر الزنديق الجزائري – المغربي! فضلا عن كون الديانات كلها واحدة! إلى حد أن التمييز بينها غير مقبول، بحيث إن هذا الزعم الظلامي وافق الرسول صاحبه أو مريده عليه. فيكون بدون ما شك من ضمن تقريراته على الخصوص، ومن ضمن أحاديثه على العموم!
وبما أن التجاني الذي أوضحنا زندقته وكفره، ملعون بأكثر من نص قرآني. وبأكثر من نص حديثي. فهل نتوقع من المولى سليمان أن يستفيد منه كيفية التخفيف من تشدده على المغاربة في تطبيق مستلزمات الدين؟
إن سألنا محمد ضريف عن تشدد المولى سليمان في الدين أين يتجلى؟ لأشار – وهذا ما فعله من طرف خفي – إلى تأثره بالوهابية! لكن التجاني أبعده عنها باعتداله المزعوم! والحال أن التجاني متطرف هرطقي جاهل بالكتاب وسنة من ادعى أنه هو شيخه ومربيه وكافله؟
يقول الملك العالم محذرا من ظلاميات القبوريين والطرقيين – والتجاني واحد من هؤلاء – "واتركوا عنكم بدعة هذه المواسم التي أنتم بها متلبسون! والضلالة التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون! افترقوا أوزاعا وانتزعوا الأموال انتزاعا (يقصد الفرق الصوفية وسدنة الأضرحة). وأنفقوها فيما هو حرام كتاب وسنة وإجماعا (لدى الملك العالم حججه وبراهينه!). وصاروا يترقبون للوهم الساعات، وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات. وكل ذلك حرام ممنوع! والإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع"!!!
فهل نعزو هذا النقد الصريح العنيف لأفكار ظلامية عاينها الملك إلى توجيهات التجاني الذي تعرض هو بنفسه كطرقي وكقبوري لنقده؟ أم نعزوه إلى توجيهات محمد بن عبد الوهاب النجدي؟ وهل الملك المجاهد المجتهد في أمس الحاجة إلى من يدله على أن بناء الأضرحة ورفع القباب عليها وزيارتها والذبح عندها منهي عنه بأكثر من نص معروف واضح الدلالة؟
ثم يضيف الملك العالم: "وها نحن عباد الله أرشدناكم وحذرناكم وأنذرناكم. فمن ذهب بعد لهذه المواسم، أو أحدث بدعة في شريعة أبي القاسم (التجاني شيخ المبتدعين!). فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه! وتله الشيطان للجبين. وخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
فيكون محمد ضريف، المتخصص في الجماعات الإسلامية، قد نال رضا التجاني! لكنه لم ينج من غضبة المولى سليمان! والحال أن المطلوب من الدولة المغربية، في الماضي والحاضر، أن تلقي بالزنديق الجزائري الكافر في وجه الدولة التي ولد في أحضانها. وذلك حتى لا يتم إلصاق تهمة الدفاع عن الزنادقة بالمغاربة الذين يدعون على المستويين: الشعبي والرسمي أنهم مالكيون؟ أشعريون؟ جنيديون؟ لا تجانيون، ولا درقاويون، ولا بودشيشيون!
ومتى صحت هذه المقولة، صح أن المغاربة خصوم الفكر الظلامي الديني بكل أنواعه. بغض النظر عن مصادره. مما يعني أن المغاربة – وهم سنيون – لا يشرفهم احتضان زنديق بعد أن اتضحت لهم حقيقة أمره! إنما يشرفهم تسليم بقية من عظامه إلى أهله غير آسفين وغير نادمين! ف"الدولة الوطنية" لا تنسجم شعاراتها مع فكر رجعي متخلف!و"الدولة الإسلامية" تعارض نفس الفكر من باب وجوب مناهضة الضلاليين والمبتدعين!
الدكتور: محمد وراضي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق