الخميس، 22 ديسمبر 2011

مرجعية إسلامية؟ أو مرجعية علمانية؟

مرجعية إسلامية؟ أو مرجعية علمانية؟

من حقنا أن نتساءل عما تعنيه المرجعية؟ إنها في المعاجم اللغوية المعاصرة مرادفة ل"السلطة". فهل هذا يعني أن للإسلاميين سلطتهم الخاصة. وأن للعلمانيين سلطتهم المتميزة؟ هذا إن نحن تقيدنا بالمعنى اللغوي للكلمة. أما إن نحن تحللنا من هذا المعنى المعجمي، باحثين عن المعنى الاصطلاحي، فإن مفهوم المرجعية موكول النبش عنه إلى المدرك الشخصي لأي باحث يريد الخوض في مجال يحيط به الالتباس من كل جانب، نقصد مجال توليد مفاهيم جديدة، أو على الأصح، تحريف مفاهيم قديمة عن مدلولها التاريخي! ف"تواجد" كفعل على سبيل المثال، تم انتزاعه قسرا من قاموس "التصوف" و"المتصوفة".

إن التواجد عندهم يعني "تكلف الوجد (بفتح الجيم) واستعماله كاستعمال الرقص والشطح". أما "الوجد" (بفتح الجيم)، فالذي "يرد على القلب ويصادمه بلا تأمل ولا تكلف. هو إما شوق مقلق، أو خوف مزعج". مما يفيد بأن المتواجدين نوعان: من يتكلفون الوجد أو التظاهر بإحساس ذوقي على إثر سماع ما يبعث في النفس الخوف أو الرجاء. ومن يتواجدون من شدة الخشوع بدون ما تكلف، فيكون التواجد عبارة عن إحساس غريب يعتري المتبتلين الخاشعين، لا الفقراء الشطاحين العابثين بالدين!

إنها مجرد إشارة منا لتحويل الانتباه إلى التمييز المعروف لدى الباحثين بين "مصدر" وبين "مرجع". فالأول متقدم زمنيا على الثاني، وكلاهما في باب البحث العلمي مطلوب. وعليه تكون المرجعية اصطلاحا في نظرنا، هي ما تم التنصيص عليه من أفكار سياسية واجتماعية واقتصادية ومالية وأخلاقية، إلى آخره. وإن شئنا قلنا: إنها فلسفة شاملة، يؤدي اعتمادها في الحياة إلى تنظيم أي مجتمع ينشد الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار والنمو المتواصل، بحيث يكون من الطبيعي والناس بالفطرة أحرار متساوون أن يختلفوا في اختيار المرجعية التي يريدون الركون إليها لأسباب خاصة ولأخرى عامة.

وقد اتضح الآن ونحن في أواخر عام 2011م أن في العالمين: العربي والإسلامي تتصارع مرجعيتان: واحدة دينية، والثانية علمانية. ونؤرخ لوقف العمل بالأولى، والشروع في العمل بالثانية، بدخول الاستعمار إلى بلداننا، مما يعني أن عمر الأولى طويل، وأن عمر الثانية قصير، والمقايسة البسيطة بين المرجعيتين، تكشف عن ضعف مردودية العلمانية بصورها المختلفة: الليبرالية، والاشتراكية الديمقراطية، والاشتراكية الثورية. مما يبرر انتفاضات الشعوب التي لم تحقق أحلامها في ظل أي نظام من هذا الثالوث الذي فرض عليها من الأعلى. أي إنها لم تحقق إنسانيتها المجسدة في الكرامة قبل كل شيء! ومما يؤكد بالملموس كيف أن قادته لم يكونوا غير "أقلية خادعة" مزودة بالفكر الظلامي السلطوي والحزبي، مما يعطي كامل الحق للإسلاميين الذين نعني بهم هنا حملة مشروع نهضوي متكامل واعد، يتجاوز إن تم تقنينه وتطبيقه سلبيات الأنظمة الرجعية التي وقفنا على همجيتها ووحشيتها في التعامل مع شعوبها المسالمة التي لم تطالب سوى بحقها الذي حرمت منه لعقود تلو عقود.

ثم تزداد حجج الإسلاميين قوة، ما دامت الشعوب قد هبت برمتها للمطالبة بما لم يتوفر لديها بعد سنوات ثقيلة من الحكم الاستبدادي الذي يدافع كلاميا عن أنظمة ثبت فشلها بالملموس، وإلا فما الذي دفع بالشعب التونسي، والليبي، والمصري، واليمني، والبحريني، والجزائري، والسوري، والمغربي، إلى الحراك المعقلن الذي أدى إلى سقوط أكثر من ديكتاتور وأكثر من نظام في ظروف، أقل ما يقال عنها إنها كشفت عن وجهين: وجه مقيت للأنظمة التي حاولت الإمساك بالاستبداد حتى آخر رمق! ووجه طاهر طهور كل همه التخلص من الاستعباد، كي تعود إليه إنسانيته التي يبحث عنها ويناضل من أجلها، مقدما تضحيات هي لديه رخيصة وإن تمثلت في الموت الذي يعد معبرا يقدمه الأبطال لعبور المناضلين إلى حيث يحصلون على الذي من أجله يضحون.

إن الأمر هنا قضية عامة لا قضية خاصة، وإلا فإن الفوارق موجودة فعلا بين الحركة الإسلامية في كل من تونس والمغرب والجزائر، وليبيا ومصر، وسوريا، واليمن، والبحرين. فبين الإخوان المسلمين في مصر وبين البنكرانيين والياسينيين بالمغرب - كمجرد مثال هوة، قطعها صعب تنفيذه تاريخيا واجتماعيا وسياسيا على أرض الواقع! فجماعة قدمت مع مطلع القرن العشرين حتى الآن آلافا من الضحايا وفي صفوفها علماء فطاحل كالسيد قطب وجماعة ليس على رأسها عالم جهبذ خبير بغوامض الأمور، مختارا مصلحة الدين على أية مصالح أخرى، وفي مقدمتها مصلحته الخاصة. يعني أن كل جماعة إسلامية سياسية، عبرت إلى الطرف الآخر الحاكم جالسة إلى جواره، واقعة في أحضانه، وقد استقلت نفس مراكبه للعبور إليه، لا نظن أنها تشم من رائحة المرجعية الإسلامية التي تدعي الإمساك بها غير ذرات إن حاولنا الإمساك بها، ما وجدنا غير الهباء وحده!

فإن قيل: "العبرة بالمقدمات" نقول نحن هنا: إنما هي ب"النتائج"، خاصة متى كانت المقدمات واضحة البطلان! وكأننا من باب التوقعات نتكلم، لا من باب النبوءات التي هي أشبه بنبوءات العرافين. خاصة متى ركزنا على قراءة مصير العمل العلماني السلطوي في المغرب بالذات، لا في دولة عربية أو إسلامية غيره!

ولنوضح للتدليل على ما ندعيه - وكأننا نبرهن على ما نريد إيصاله إلى أذهان المتعلمين بوسائل الإيضاح - نقول: ما يجري العمل به في الواقع المغربي حتى الآن، هو تطبيق جوانب سلبية من الليبرالية القائمة على أساس علماني كتفعيل للمرجعية العلمانية على الأرض. بينما تظل المرجعية الإسلامية مجرد حلم! فهل نتوقع من الإسلاميين تجسيد هذا الحلم الجميل بين عشية وضحاها كمعطى مطلوب في ظرف خمس سنوات؟ بحيث يتحول معه وبه المجتمع المغربي إلى مجتمع متكامل ومتراص الصفوف ومستقر، وسعيد، وحر كريم آمن؟

ما يبدو في الأفق ودهاليز الفساد ضاربة بجذورها في أعماق الكثير من المدن والقرى لا يبشر، وإنما ينذر بالثبور إذا ما اعتقد معتقد أن صورة المجتمع المغربي سوف تتحول إلى مجتمع خاضع لنظام قطع أشواطا بعيدة في سبيل أسلمته! مع الإشارة الفورية إلى أن ما نقصده، لا يعني تطبيق الحدود والقصاص، وكأن تمكين المجتمعات من الامتثال لتعاليم الدين يتوقف فقط على "العين بالعين" ورجم "الزانية والزاني"! كلا، إن الإسلام كمرجعية يتجاوز هذا الفهم الضيق الذي ينزله عليه من يصرون على فصله عن السياسة. إنه نظام يتحرك من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأعلى إلى الأسفل في تراتبية معقلنة، يحكمها التساوي بين الحاكم والمحكوم أمام النصوص الثابتة، وأمام الفروع المتفرعة عنها كأحكام تنضبط باحترام قواعد التطور والاستنباط والتفريع، حتى لا يظل الأمر رهين التخمينات والتشريعات الخاضعة لميول ولأهواء أي مشرع كان! أما أن تسقط التراتبية التي ينبني عليها النظام السياسي في الإسلام، فوداعا عند من لا يحترمون هذا الطرح للمرجعية الإسلامية المزعومة. والتراتبية هنا لا تسقط حقوق المندرجين تحتها بغير أدلة قاطعة! لكنها في الوقت ذاته، لا تمنح لأي كان وضعا مريحا إن لم يكن الوضع ذاك من صنع جماعي يقضي من كل راغب مشارك في الصنع أن يحترم قواعد إنزال الدين على الأرض. والبقية تأتي.

محمد وراضي

الأحد، 22 مايو 2011

السلفية التي أصبحت فزاعة 2



صح لدينا أن السلفية أنواع. ويصح تبعا لما صح قبله، أن تكون من حيث حمولتها الفكرية على درجات، يختزلها ما جرى (في الماضي). وما يجري (في الحاضر). وما سوف يجري (في المستقبل) الذي هو غيب ليس لنا إلى معرفته بدقة من سبيل!
فسلفية الطوطميين في أدغال أفريقية وعلى ضفتي نهر الأمازون، غير سلفية العرب العاربة والمستعربة في شبه جزيرتهم قبل بعثة الرسول الأكرم، وغير سلفية المسلمين المتفقهين الملتزمين حتى الآن.
فإن كان طابع السلفيات في الأزمنة الموغلة في القدم هو "الانغلاق". فقد أصبح طابعها بعد حين من الدهر هو "الانفتاح". دون الخوض هنا في الملابسات التي أدت إلى هذا التحول التاريخي بالتدريج. فكان أن تم الالتجاء إلى الاقتباس المتبادل – عن طريق التواصل والتفاهم – من سلفيات عدة. وهذا تبرير واقعي منا للحديث عن التراث البشري ككل. أو للحديث عن السلفية المشتركة بتعبير آخر مغاير.
غير أن الالتجاء إلى الاقتباس مشروط بشروط. في مقدمتها أن لا نقتبس ما هو عندنا متوفر! أو ما نحن في غنى عنه! إذ لا يعقل أن ننتج – كبلد فلاحي – ما يكفي من زيت الزيتون. ثم نسعى إلى استيراد المزيد منه من دول يفصلنا عنها البحر الأبيض في الشمال الجغرافي!
ثم إن شروط الاقتباس – كإتمام للفائدة – أن لا يكون المقتبسون على جهل بالسلفية التي ترعرعوا في أحضانها. وإلا وصفوا بالاندفاع والسفه (= ضعف في التفكير)! دون أن يدركوا لا من "الواقعية" ولا من "الموضوعية" غير التشدق بهما حبا في الظهور، وجريا لا محسوب العواقب وراء التباهي!
فهم إن تحدثوا عن الثورة الفرنسية. مجدوا "الحرية" و"المساواة" و"الأخوة" كعنوان، نظيره لم تحمله أية حركة إصلاحية في التاريخ البشري برمته! وهي نفسها سوف تتصدر لاحقا مسمى "الميثاق العالمي لحقوق الإنسان". ناسين أو جاهلين بأن ديننا لم يقف عند حد المناداة نظريا بكافة أنواع حقوق البشر الطبيعية، وإنما جسدها المؤمنون منذ الوهلة الأولى لظهور الإسلام على أرض الواقع. أو ليس عمر بن الخطاب هو الذي قال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"؟
والتاريخ يرشدنا إلى أن سلفيتنا قد استنكرت واستهجنت أيما استهجان بما يكفي من الشدة والصرامة والموضوعية، ما كانت سلفية الجاهليين تمارسه من جرائم شنعاء ضد الإنسانية كقتل للأولاد، ووأد للبنات! وهو ما يمارسه الآن بالجملة طواغيت ليبيا.. واليمن.. وسوريا!
فيكون الإسلام - بلغة اليسار العلماني عندنا – ثورة على الظلم،، والجهل،، والتخلف،، والعفونة الفكرية،، وقحط في العواطف والمشاعر والأحاسيس الدفاقة المرهفة!
وإلا، فأي جرم ارتكبه طفل قتل، لأن أباه خشي أن يموت من الجوع على حد زعمه؟ والحال أن الموت في الحالتين كلتيهما واحد! والأيام حبلى بالمتوقع! وفي الوقت ذاته حبلى بغير المتوقع! وفي الإيمان بالرزاق ذي القوة المتين حل، بل وفيه حلول لأي مشكل يعن لنا نحن كمخلوقات نسبية!
ثم أي جرم جنته طفلة بريئة والدها أقدم على دفنها بدم بارد وهي بعد على قيد الحياة؟ أو لم يحرمها من حقها الطبيعي في العيش؟ أو لم يتعمد الإساءة إلى من تعتبر في كل الأحوال شريكة حياته ورفيقة دربه؟ أو لا تملك هذه الرفيقة المكلومة في فلذة كبدها حق الاعتراض والاحتجاج وحق الرفض؟
نلتمس الإجابات الدينية والمنطقية والأخلاقية على تساؤلاتنا ممن تسلحوا بسلفية ذاك الآخر الذي عانينا من سلفيته ما عانيناه، عندما كنا خاضعين لجبروته الذي لا يصدر إلا عن متوحشين، بينهم وبين التمدن والتحضر بالمفهوم العقلي الإنساني والعاطفي بون شاسع!
فإن لم نجد مطلبنا لدى الآخر ذاك الذي كان وراء قتل الملايين من البشر – منذ خروجه من عصر الظلمات على حد ما يدعي – بدون ما مبرر أخلاقي أو قانوني أو إنساني،، أو ديني!
فلنلتمسه لدى التلاميذ النجباء الذين تخرجوا من مدارسه منذ تحرره المزعوم من ظلاميات القرون الوسطى: الليبرالية،، والاشتراكية،، والشيوعية! لنلتمسه تحديدا عند أحزابنا العلمانية المتسلطة الطاغية التي على رأسها ديكتاتوريون، لا يعرفون من الدين غير اسمه،، ولا من الأخلاق غير المناداة بها في مختلف خطبهم الديماغوجية!
إنهم على رأس الأنظمة في تونس،، وفي ليبيا،، وفي مصر،، وفي اليمن،، وفي سوريا،، وفي الجزائر! أو لم يرجعوا إلى الوراء التاريخي المظلم كي يمارسوا كل ألوان الاعتداءات التي جرمها الدين وعمل على إلغاء مفعولها ومؤاخذة فاعليها؟ أو لم يرجعوا إلى الظلام الذي لا يهم أقطابه غير التمتع بالنفوذ والسيطرة والاستعباد، والملذات، على حساب الأمم التي تؤدي من عرق جبينها ومن دمها ثمن استهتارهم – كمتسلطين – بكل القيم الجميلة المميزة للإنسان عن باقي الحيوانات في البر والبحر؟ والحال أن هذه تعرف من الرحمة والشفقة ما لا يعرفه القذافي وأسد سوريا، ونمر اليمن، وفهد تونس، وصقر أرض الكنانة! حتى البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، سعى جلاوزة الأسد ومتعهد القذافيات برعايتها إلى خرابها، كأنها مراقص أو دور للدعارة! فبالأمس "الاثنين" 9-4-2011م. شاهدت صدفة على شاشة إحدى القنوات الفضائية برنامجا علميا وثائقيا مثيرا حقا للانتباه. يتعلق الأمر بمجموعة من التماسيح وبمجموعة من السلاحف التي تضع بيضها قريبا من ضفاف الأنهار. شاهدت تمساحا يحمل في فمه صغاره لمجرد خروجهم من البيض، ويحمل في نفس الوقت بعض البيض الذي هو على وشك أن يفقس، فيتجه بما يحمله على مهله إلى النهر، حيث يضعه بلطف شديد في الماء الراكض لا في الماء الجاري!!! ثم يتولى حراسته حتى يطمئن إلى أن أولاده قد تجاوزوا مرحلة التعرض لأية مخاطر محتملة، لو أنهم تركوا وشأنهم بدون ما عناية وبدون ما اهتمام!
والأغرب من هذا المشهد الأول، ذاك الموالي حيث تدخل تمساح آخر لحمل سلحفاة صغيرة، حديثة العهد بالخروج من البيضة، من اليابسة إلى النهر، مخافة تعرضها لهجمات الطيور الكاسرة! مع أن السلحفاة من جنس، والتمساح من جنس آخر! لكن الحكام ممن غضبت عليهم شعوبهم تماسيح لا تتطرق الرحمة إلى قلب أي منهم على أية حال! فكيف بالحياء الذي يسقط ادعاء الإيمان عند من لا يتحلون به؟ إنهم نسبوا كل أنواع حراك شعوبهم مرة إلى القاعدة! ومرة إلى السلفيين الذين انشقت عنهم المدن السورية فجأة! وفي الوقت الذي أراد الأسد وجلاوزته أن تنشق عنهم ك"شبيحة" مخربين! إنهم في درعة التي توسل مواطنوها إلى السلطة الحاكمة بأمرها كي تهب لحمايتهم من هجمات السلفيين الشرسة! فما كان من السلطة غير الاستجابة الفورية من باب الشفقة على أبنائها المظلومين! فقد سعت – على حد زعمها – إلى تحرير أهل درعة من الغزاة القادمين من وراء الحدود!!
وتدرك المسرحية المحبوكة المفبركة – تنفيذا لبنود سلفية ذاك الآخر على الأرض – ذروتها بإسناد دورين متناقضين فيها إلى السلفيين المندسين المسلحين بأحدث الأسلحة وأقدرها على الفتك بالضحايا الأبرياء أكثر من سواها.
1- دور هجومهم الوحشي على الشعب الغاضب الثائر! إلى حد أنهم يعتلون سطوح المنازل حيث يطلقون النار عليهم اعتباطيا كيفما اتفق!
2- اعتداؤهم على الجنود الذين هم حراس الشعب وحماته!
هذا ما تعلمه الأسد من سلفية الغربيين الصليبيين التي شرب نخبها حتى الثمالة! فكان أن أصر على تنفيذ ما تعلمه ولو على حساب شعبه!! والعدو الصهيوني المحتل لهضبة الجولان السورية، يراقب ما يجري عن قرب وهو جدلان من التشفي والفرجة المجانية!!! وعلى غرار ما أصر النظام السوري الطاغية على تنفيذه من اصطياد الأهداف البشرية كطرائد مباحة مشروعة! أصر القدافي على اقتحام البيوت، واغتصاب النساء، وقتل الأولاد والشيوخ واليتامى والمرضى ومعوقين ومكفوفين! ثم لا يستحيي هو ولا نظراؤه في اليمن ومصر وتونس وسوريا من وصف: "أهل الله" بالظلاميين، بينما هم فوق برج الفكر الظلامي السلطوي والحزبي يتربعون! ويصيحون ويكذبون ويلفقون! متجاوزين كل الصفات التي تجعل منهم بشرا أسوياء! فقط لأنهم مخبولون معتوهون أغبياء!!!

الدكتور محمد وراضي

السلفية التي أصبحت فزاعة

السلفية التي أصبحت فزاعة!!!
(1)
إذا لم تكن السلفية بإطلاق – كما يبدو لأي ناقد متبصر – عبارة عن تراث إنساني مشترك، تراكمت بفعل التدافع الطبيعي لتحصيل الضروري، والحاجي، والكمالي عبر قرون يتعذر إحصاؤها، بحيث ينتصب خلفها الأسلاف وهاماتهم مرفوعة! وبحيث يقف أمامها الأخلاف كمنارات وكمعالم مرغمين لا مختارين! إذ أنه لا وجود لبنيات ترسو على غير قواعد، ولا لأشجار ذات جودة عالية، دون أن تضرب بجذورها في التربة الملائمة. إذ ما كل تربة مهيأة لغرس أية أشجار، وصالحة لزرع أية نباتات!
ومتى صحت هذه التوطئة المنطقية، أو لا يفرض علينا هنا تنوع السلفيات نفسه، والناس لم يعودوا منذ أزمان أمة واحدة، بل إنهم لا يزالون مختلفين؟ – وهذه طبيعتهم كبشر – وبما أن هذه النظرية بديهية وحتمية في الآن ذاته، فعن أية سلفية يتحدث السلطويون العلمانيون؟ وعن أية سلفية يتحدث من اقتفى أثرهم دارا بدار وزنقة بزنقة؟ وصفنا هؤلاء وأولئك التغريبيين باللبرالاويين؟ أو وصفناهم بالاشتراكاويين؟ أو وصفناهم بالشيوعاويين؟ (= من لوى يلوي. ومن كوى يكوي. ومن عوى يعوي)! أو وصفناهم حسب تعبيرهم القدحي بالإسلاماويين؟ أو وصفنا مجموعة غير هؤلاء وأولئك بالمبتدعة المنشقين عن النهج القويم؟ بينما نصف الرافضين للاندماج الهجين بالحنفاء الواعدين؟
هل نتحدث – ونحن ننتقل من العام إلى الخاص، أو من المطلق إلى المقيد – عن سلفية علمانية ذات الهوية الرومانية القديمة! أم نتحدث عن سلفية ذات الهوية الأوربية القومية قبيل مسمى عصر النهضة وبعده؟ أم نتحدث عن السلفية الكهنوتية التي ألقت بظلامها القاتم على صدر الشعوب الغربية لقرون عدة؟ فكان أن انساقت وراء الزعامات الظلامية المدمرة، فاشترت منها صكون الغفران لتضمن موقعها في الجنة الموعودة! وخضعت بالتالي لقيودها التي حرمتها من العزة والكرامة وحرية إبداء الرأي؟ مع الإشارة إلى أن الكهنوت لا صلة له بأية أحكام شرعية واردة في أي كتاب من الكتب السماوية!!!
أم نتحدث عن سلفية حملها معه الاستعمار الأوربي في العصر الحديث إلى البلدان التي غزاها وفرض على مواطنيها ابتلاعها كطعم مسموم يشكل أكثر من خطر على صحة العقول والنفوس؟
أو لم تكن – لمجرد التذكير – كتب القراءة على عهد احتلال بلدنا تحمل عناوين مثيرة حقا للانتباه على غرار: محمد يذهب إلى المدرسة؟ وعلي وفاطمة؟ وعثمان بوركابي؟
أو لم يتضح الهدف من وراء اختيار مثل هذه العناوين بعناية؟ فكان أن اندفعنا كتلاميذ، دون سن البلوغ إلى الانبهار بما كنا نتلقاه؟ وإلى السخرية اللاواعية من رموز السلفية الدينية التي أصبحت الآن فزاعة يحذر من خطرها طغاة الحكام و"بلاطجة" ومرتزقة مسخرون لتنفيذ ما يصدره إليهم متشبعون بالسلفية الدخيلة العمياء المجرمة؟ هذه التي تملي على متبنيها قتل آلاف المحتجين المطالبين بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية؟
ثم نعود فنتساءل: أو لم نكن نسخر مدفوعين مخدوعين من مسمى: "محمد" البدوي الذي يقف إلى جانب الصبار (الزعبول)، وعن يمينه نعجة، وعن يساره بضع دجاجات وديك واحد أحمر اللون؟ أما هو فشبه مصاب بالذهول في جلبابه الصوفي الذي كاد يعلو ركبتيه؟ في حين يبدو عليه العمش المفضي إلى سيلان الدمع في أكثر الأحيان؟ بينما يتدلى من أنفه المخاط كأنه مصاب بزكام دائم؟ إمعانا من المصور المأجور في تجسيد واقع طفل يحمل كل معاني التخلف والسذاجة والعوز أو الاحتياج؟ هذا في الوقت الذي يقدم نفس كتاب القراءة صورا مغايرة تماما لكل من "جاك. ومدلين. ودومنيك"! إنما في أوضاع تنبه إلى الفوارق القائمة بين المنتمين إلى مجتمع متقدم في ارتقاء سلم الحداثة، وبين المنتمين إلى مجتمع غارق في الجهل والتخلف؟
فيكون المثل السائر "التعلم في الصغر كالنقش على الحجر" قد أعطى نتائجه المخطط لها. يعني أن المتعلمين على يد المستعمرين، أشربت نفوسهم وعقولهم كالإسفنج ألبان حضارة الغرب من جهة، وكره غير معلن لأسلافهم المتدينين بإخلاص من جهة ثانية. ولما لم يكن (الكره) معلنا، فلأنه لم يتجاوز بعد مجرد السخرية من البدويين على مستوى المظهر الخارجي، لكنه سوف يتحول لاحقا إلى كره معلن على المستوى المعنوي بدون ما تفكر وبدون ما روية! خاصة وأن الخروج من المرحلة الابتدائية إلى الإعدادية، فالثانوية، فالجامعية، سوف يحمل المتعلمين على تلقي المزيد من جرعات سلفية المستعمر التي هي تراثه!
فكان أن قابلنا وتحدثنا وناقشنا من يلهجون بذكر "موليير" و"فيكتور هيجو" و"ديكارت" و"هيجل" و"جان بول سارتر" و"ماركس" و"لينين" إلى آخر لائحة المجسدين للتراث الغربي، أو لسلفيته التي وجدنا بيننا من يعتز بها أكثر مما يعتز بها الغرب نفسه؟
وإذا لم تكن للقيم الدينية في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، نفس ما للقيم العلمانية لدى الغربيين، فلا بد أن يحترم التغريبيون المتعصبون المقتفون لآثارهم ما احترموه، هناك خارج تاريخ الإسلام الذي نبذوا وراءهم ظهريا جل محتوياته! أي أنهم لم يتخذوا من تراثهم الأصيل نموذجا إليه يتجهون وعليه يعتمدون لتأسيس خطابهم السياسي، كمساهمة منهم إيجابية، لأجل إعادة الروح إلى عقول وإلى نفوس شبه ميتة. فكان أن حملت حملا على استعارة روح أخرى غريبة عن جسد الأمة التي رأيناهم يتحدثون عن خصوصياتها في مناسبات سياسية جريا وراء المراكز السلطوية القيادية! فلزم عندها أن نتوقع من أصحابها أي شيء يشعل فتيل السخرية من كل ما يمت إلى الدين بصلة! فجاءت هذه السخرية من دعاته بلهاء! – ولو أنها محمولة بما لا حد له من حقد – على لسان طاغية تونس! وطاغية دمشق! وطاغية طرابلس ليبيا! وطاغية صنعاء اليمن! وعلى لسان كل العلمانيين الذين يدركون بأن ما يحملونه منذ عقود من أيديولوجية فاشلة، انتهت بهم واقعيا إلى الأبواب المغلقة!
وبما أن المتشبعين بقيم ذاك الآخر الغريب عنا من حكام، ومن وراءهم من جلاوزة متحالفين معهم غالبا في الباطن دون الظاهر وأحيانا في الظاهر دون الباطن، من باب النفاق كما يحدث في بعض المسرحيات. كنا قد توقعنا منذ فجر استقلالنا أن نتمتع بنفس القيم التي حرمنا منها ونحن نعاني من الأصفاد ما نعانيه، نقصد القيم التي يتبجح الغرب بأنها من صنعه! وهذا منه مجرد افتراء! لكننا – كدول عربية بالتحديد – وجدنا أنفسنا بعد انعتاقنا من ربقة المحتل محرومين من سباعي الفكر السياسي السلفي: الأخوة، والمساواة، والعدل، والحرية، والمحبة، والتعاضد والتكافل الاجتماعي! وكأننا تحررنا من استعمار لنقع في قبضة استعمر آخر، دون أن نبالغ أو نفتري كذبا على أي كان، وعلى أية جهة. وإلا فما الذي تطالب به الشعوب الغاضبة في أكثر من عاصمة عربية؟
نعم، هناك السماح في بلد مثل بلدنا لليبرالية، لكنها في الواقع ليبرالاوية فاجرة فاسقة (من لوى يلوي)! شاهدناها ونشاهدها في الاقتصاد والمال والتعليم على العموم. تعلق الأمر بشقها المادي، أو تعلق بشقها المعنوي! إلى حد أصبحت عنده بعض الجرائد متخصصة في تقديم نماذج من الدعارة معززة بالصور الفاضحة أو المفضوحة!
أما الفساد الإداري الذي يمكن ضبطه في الارتشاء وسرقة المال العام وابتزاز المواطنين (= أكل أموالهم بالباطل) فحدث ولا حرج! حتى الذين طالما تبجحوا بالاشتراكية، ضبطت منهم أعداد وهي تخون أمانة الوظيفة العمومية، داخل وخارج أكثر من مؤسسة حكومية! ثم سمحت لهم نفوسهم – وهم منهمكون في تدمير الاقتصاد الوطني والإساءة إلى الأمة – بالتحذير من خطر السلفية والسلفيين! وكأن الحريصين المخلصين على سيادة الاستقامة والعدل في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والتربوي، قد تحولوا بين عشية وضحاها، وبجرة قلم إلى لصوص محترفين؟ والحال أنهم حتى الآن خارج المؤسسات التي تعنى باتخاذ القرارات الحاسمة والمصيرية لفائدة الأمة المغربية الإسلامية!
الدكتور محمد وراضي


الجمعة، 21 يناير 2011

حمل المغاربة على فتح صدورهم لمالك والأشعري والجنيد


حمل المغاربة على فتح صدورهم لمالك والأشعري والجنيد!
الحلقة الأولى

في اليوم الحادي عشر من نوفمبر2010م. ألقى وزير الأوقاف الأسبق: عبد الكبير العلوي المدغري محاضرة بالرباط تحت عنوان: "معالم الشخصية الدينية المغربية". فنشرتها جريدة "المساء" في جزأين: الأول بتاريخ 26 نوفمبر 2010م تحت عنوان: "لا بد من حمل المغاربة بالوسائل التربوية على الرجوع إلى عقد الأشعري وفقه مالك وطريقة الجنيد". ونشرت الجزء الثاني بتاريخ 3 دسمبر 2010م تحت عنوان: "أدوات المذهب الأشعري تعطي الفقيه المجتهد فرصة الاستنباط"!
ويعلم الكاتب المدغري لا شك، كيف أن عصرنا يتميز عن بقية العصور بعمليتي التفكيك والتركيب في مجالات معرفية متعددة. وذلك لوفرة ما يمكن إخضاعه للعمليتين! كما يتميز بعملية التفكيك وحدها دون أن يحمل صاحبها أية نوايا لإعادة تركيب ما تم تفكيكه! أو دون أن تعقبها قدرة المفكك على التركيب حين يحتار في كيفية إعادة كل عنصر من عناصر البنية المفككة إلى موقعه! هذا إن لم تتوفر له عناصر جديدة باستعمالها يكون قد قدم بنية محورة مخالفة للأولى التي هي أصلية وإن لم تكن أصيلة!
نقول: إن معالم جمع معلم، والمعلم "حجر ينصب في الطريق كعلامة يستدل بها على وجهة السير وقياس المسافات". فصح الحديث هنا عن معالم المدينة والقرية والوجه. فمن معالم الرباط – كمجرد مثال – قصبة لوداية، وشالة، وصومعة حسان. مما يعني أن المغرب الديني له معالم تميزه عمن سواه!
أما الشخصية ف"مجموعة الصفات التي تميز الشخص عن غيره". إن الكاتب لا يتحدث عن معالم شخصية بشرية محددة معروفة، ذات جسد وروح. إنما يقصد إخبارنا عن معالم شخصية اعتبارية. هذه التي تنعت بكونها دينية، تمييزا لها عن شخصية سياسية، واجتماعية، واقتصادية.
وبما أن الدين كل لا يتجزأ، فإن الشخصية الدينية المغربية تميزها معالم متكاملة، من عرفها سهل عليه إصدار الحكم على جانبين من تديننا: جانب نظري، وجانب ممارساتي. بحيث يكون الحكم المتوقع إصداره من طرفنا غير الحكم الذي أصدره من نناقش أطروحته أونمتحن أفكاره! حتى ولو قفز إلى الواجهة اعتراض مؤداه أن من كان وزيرا للأوقاف لما يقرب من عقدين، أدرى من غيره بموضوع محتويات محاضرته.
يعني أن كاتبنا المتخصص في الناسخ والمنسوخ، على بينة من موضوعين هامين. تحت إشرافه كانت تتم متابعتهما: الأوقاف وشؤون الإسلام! فكيف إذن ندعي أن حكمنا على الحركة الدينية ببلدنا، غير حكم من سهر لسنوات طوال على تسييرها وتنظيمها؟
يتحدث الكاتب عن عناصر ينتظمها التدين لدى المغاربة. أو هي بعبارة أخرى، تنتظم التدين عندنا. إنها فقه مالك. وعقيدة الأشعري. وطريقة الجنيد.
يقول: "وهذه الثلاثية هي التي ترسم معالم الشخصية الدينية المغربية التي استقرت على مر القرون، والتي لخصها الناظم بقوله:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
وبطبيعة الحال، فإننا ونحن ننتمي إلى هذه المذاهب الثلاثة، ليس من الضروري أننا نعرفها! فمعظم المغاربة لا يعرفون عن المذهب الأشعري شيئا. كما أنهم في الغالب لا يعرفون شيئا عن الإمام الجنيد. وهم إذا عرفوا مولاي عبد السلام بن مشيش! أو سيدي بلعباس! فيعرفون أنه مزار للتبرك فقط! ولا يعرفون أنه مدرسة قائمة الذات والأركان"!!!
وبما أن جل المغاربة يجهلون الثلاثية، فمن الأكيد أن صاحب المحاضرة التاريخية – كحدث عرفه الرباط في شهر نوفمبر من العام المنصرم – لا يدخل في خانة من يجهلونها! مما حمله – من باب الغيرة على الدين – على نفض الغبار عنها، والمطالبة بالرجوع إليها! إنما كيف يتحقق هذا الرجوع والمغاربة قد انسلخوا عنها ما عدا قلة منهم تعد على أطراف الأصابع؟
إجابة الكاتب المدغري يحملها عنوان الجزء الأول من محاضرته كما قدمتها لنا جريدة "المساء" هكذا: "لابد من حمل الأمة بالوسائل التربوية على الرجوع إلى عقد الأشعري وفقه مالك وطريقة الجنيد"؟؟؟ إنما ما هي هذا الوسائل التربوية المقترحة هنا من طرف الكاتب؟ وهل اقتراحه يفيد بأن الوسائل المعتمدة حتى الآن في برامج التربية الإسلامية التي يتلقاها التلاميذ من الابتدائي إلى نهاية الدراسة الثانوية لم تعد مجدية؟ فضلا عن الوسائل المعتمدة لتدريس نفس المادة بكثافة في المعاهد الدينية، وبكليات الآداب والعلوم الإنسانية؟ أم إن صاحبنا يتحدث عن وسائل تربوية أخرى يراها مجدية لحمل المغاربة بدون استثناء على العودة إلى ما سماه بالثلاثية؟ فإن كان لديه جديد في الموضوع، فمن حقنا أن نطالبه بنشره فينا كي نستفيد ونفيد. إنه في كل الأحوال دين في عنقه! ونحن ننتظر منه الوفاء به؟؟؟

الحلقة الثانية

إن نحن رغبنا في توجيه أمتنا إلى الارتباط بالثلاثية المذهبية التي تحدث عنها عبد الكبير العلوي المدغري، لكان علينا أن ننجز باختصار شديد ما يلي:
التعريف أولا بكل عنصر من عناصر الثلاثية – المالكية والأشعرية والجنيدية -. والرد ثانيا على سؤال فحواه: هل نحن ملزمون بالاستجابة لله وللرسول؟ أم نحن ملزمون بالاستجابة لأئمة الفقه والحديث والكلام والتفسير والتصوف؟ والاقتناع ثالثا بوجوب الاستدلال على ما لا نعرفه بمن يعرفه. ونحدد رابعا إجابة مقنعة عن الإشكال الذي طالما تم طرحه: ماذا لو تبين أن دليلنا غير ملم بما نرغب في معرفته على حقيقته لأننا نجهله؟
لا نقصد بالتحديد هنا كبار الأئمة، وإنما نقصد علماءنا وخاصة من قدر له منهم أن يصبح في يوم ما وزيرا للأوقاف؟ فلعدة قرون نقرأ القرآن على هيأة الاجتماع؟ وقراءته بهذه الكيفية مكروهة لدى مالك كراهة تحريم؟ إنها بدعة؟ مثلها مثل الدعاء الجماعي بعد الفراغ من الصلاة؟ فضلا عن طقوس غير مسنونة مرتبطة بالميت: قراءة القرآن أثناء دفنه. وإقامة وليمة مكلفة من أجله تسمى "عشاء الميت". وحضور حملة القرآن في الوليمة لقراءته، ولقراءة مسمى "الفدية" في مناطق من المغرب؟ بغض النظر عن إقامة مسمى "الأربعينية" التي لا يعرفها الرسول ولا مالك ولا الصحابة قبله؟ ثم يقدم مبلغ مالي للقراء يناسب المقام والمقال: مقام العائلة المفجوعة! ومقال من يبيعون أدعية مستجابة وهم كاذبون!
ثم يطلب منا الحضور والإصغاء إلى المرشدين الدينيين المؤطرين حكوميا لغاية توضيح مقتضيات الثلاثية المذهبية التي يجهلونها أو يتجاهلونها – للأسف الشديد -. إنها عندهم بعض من تلك البدع التي يتحدث عنها الإمام – دون أن يضع أصبعه عليها – وهو يلقي خطبة الجمعة فيقول: "أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ص، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" فيكون من حقنا أن نوجه له ولأمثاله هذين السؤالين: ما الأفضل في الدين: قول الرسول وفعله وتقريره؟ أم قول وفعل وتقرير غيره فيه؟
فإن كان القرآن يقرأ جماعة قبل أن يلقي ص خطبة الجمعة. وكان يفتتح الدعاء الجماعي بعد الفراغ من الصلاة! فلنقل بأننا مقتدون به! أما إن كان العكس هو الصحيح، فإن كل ذي عقل، وكل ذي ضمير ديني، يعلم أننا مصرون على رفض سنته! فنكون من المستدركين عليه! وكأن لسان حالنا يقول له: نحن أعلم منك بما فيه مصلحتنا. ولا ضير إن نحن خالفناك في قضايا تتعلق بالعبادات! وحتى بالمعتقدات! وحتى بالمعاملات!
إن ممارساتنا التعبدية اعتمادا على الأمثلة التي قدمنا بعضا منها موجزين في واد! وفقه مالك أو مذهبه في واد آخر! وقواعد مذهبه راسية على كتاب الله وسنة نبيه. وإلا ما قبل به أجدادنا ولا رحبوا به. إذ أنه لا أهلا ولا سهلا ولا مرحبا بالمبتدعين والمبتدعات!
أما العقيدة الأشعرية فلا تقر الحكم لأي كان بالجنة أو بالنار. مما يعني أن الحديث عن المرحوم والمغفور له، تطاول على غيب الله الذي لا يعرفه غيره! بينما نجد – ونحن نزور المقابر – لوحات من الرخام مكتوب عليها: المرحومة الحاجة فلانة! والمرحوم الحاج فلان!
ثم إن العقيدة الأشعرية تعارض أي طعن في الربوبية وفي الألوهية. إنها لم تقل ببناء القبور ورفع القباب عليها، والإتيان بكل توابعها. دفعا من ديننا لدواعي الوقوع في مهواة الشرك التي ليس لها قرار؟ فالله واحد في ذاته وفي أفعاله وفي صفاته وفي أسمائه. "ليس كمثله شيء". والقبورية توجه معتقديها إلى التجسيم الذي أقره المشبهة منذ أزمان! وأي ميل إلى التشبيه ضرب في الصميم لتنزيه الحق سبحانه! ولا أوضح في التشبيه من ادعاء الصوفية بأن العالم هو الله! وأن الله هو العالم! بل وذهبوا إلى أن كل مخلوق هو الله عز وجل في حد ذاته! كلبا كان أو حمارا أو بغلا أو بقرة؟؟
أما الجنيد الذي يدعي المغاربة التمسك بطريقته الصوفية فادعاء لا أساس له. إنه مجرد كلام لسبب غاب عن أذهان الكثيرين وفي مقدمتهم يقف الكاتب عبد الكبير المدغري؟ إنه يجهل – لا شك – أن للجنيد شخصيتين: شخصية تجنب الظهور بها من باب التقية، وذلك حتى لا يلقى نفس مصير تلميذه الحلاج؟ وشخصية يمثلها قوله: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام".
فتكون القناعات النظرية والممارسات التعبدية لدى الطرقيين عندنا، ابعد ما تكون عن اقتفاء أثر الرسول أو الاقتداء به. وأبعد ما تكون عن طريقة الجنيد المعلنة. فالرسول ص لا يعرف "الحضرة" ولا ذكر الله بالاسم المفرد "الله الله"! ولا ذكره ب"هو هو"! ومثله الجنيد الذي لا يمثل شيخا لطريقة صوفية ينضم إليها كل من هب ودب! فأصحابه لا يتجاوزون في الغالب العشرين. ومتى اجتمعوا حوله، كان اجتماعهم للمذاكرة وللتذكير، لا لذكر الله على هيأة الاجتماع.إذ المشيخة تقتضي أن يكون المريد أو التلميذ، أو الصاحب رفقة أستاذه ومرشده، حيث يتأتى له أن يستفسره عما عن له. فالجنيد يتحدث إلى أصحابه مثلا عن الصبر واليقين والمحبة والاستقامة. إلى آخر ما يحتاج إليه المقبل على ربه لنيل رضاه. وحتى يناله لا بد له من ممارسة عمليتي: التخلي والتحلي على نفسه. فالتخلي قطع الصلة بالرذائل، أو ما يسميه الغزالي بالمهلكات. والتحلي يعني تعزيز الارتباط بالفضائل، أو بما يسميه الغزالي بالمنجيات
فأن ندعي بأن تديننا مبني على ثلاثية نجهلها، يقتضي مراجعة جدية صارمة. خاصة وأن الاتجاه إلى الممارسات الظلامية الصوفية وراءه اليوم إعلام محلي ودولي قوي، كما أن وراءه أموال ومساعدات وتشجيعات محلية ودولية! يعني أننا أمام مخطط يدفع بنا إلى الوراء التاريخي المظلم الذي يعزز الاستكبار وأعوانه ويقويهما على الظلم والطغيان

الدكتور محمد وراضي


الجمعة، 7 يناير 2011

مدلول "البركة" أو مفهومها يثير أكثر من تساؤل؟؟؟


منذ طفولتي كنت أسمع من حولي من رجال ونساء، وصغار وكبار، وحضريين وريفيين، وعلماء وأميين يرددون كلمة "بركة". فلم يكن مني – وأنا المندمج قسرا في الظواهر الاجتماعية – غير مسايرة ما يبدو أن مدلوله واضح في الأذهان. فقد خضعت لروح القطيع في غيبة عن روح الكياسة. لكنني – وأنا أتسلق درجات العمر – بدأت أتساءل عما تعنيه "البركة"؟ وعن كيفية انتقالها من أصحابها كهبة إلى من يطلبها منهم، مرة بالمقابل، ومرة بدونه.
فكان أن أصبحت مهموما، وأنا أطرق مختلف الأبواب، للحصول على مفهوم لكلمة شائعة الاستعمال حتى علماؤنا لم يتطرقوا إليه، فيوضحوه، ويشرحوه، ويقربوه إلى الذين يكثرون من ترديده دون أن يتبين لهم بخصوصه الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
سألت عن مفهوم "البركة" نساءنا ورجالنا، فلم أجد لدى الطرفين كليهما جوابا يرضي فضولي المعرفي. ولما صدر لي كتاب "عرقلة الفكر الظلامي الديني للنهضة المغربية" تبين لي من بين ثنايا سطوره وجود أكثر من بياض، أو أكثر من فراغ من واجبي أن أملأه، وإن لم يوجهني إليه قارئ ناقد، أو قارئ متعاطف. إنه "البركة" التي يرى المريدون أتباع الشيوخ أن متبوعهم يحملها معه أينما حل وارتحل … في حياته وفي مماته. فمن فاته الحصول منه عليها وهو لا يزال يمشي بين أهله وذويه، فإمكان الحصول عليها منه – وقد أصبح في خبر كان – إمكان وارد! مما يعني أن الشيوخ المذكورين في كتابي المشار إليه، كلهم من ذوي البركات المزعومة التي تفيض عنهم ومنهم فيضان الماء من منابعه! إلا أن طلبها من طرف الراغبين في الانتفاع بها، مرتبط بضرورة تقديم مقابل قد يكون مجرد تقدير للرجل، وقد يكون خدمة، أو إطعاما، أو فتوحا، أو قربانا يذبح عند قبره الذي أصبح من المزارات التي يتحول عندها قصادها إلى منحرفين محرفين لمفهومي: الربوبية والألوهية! إذ متى أصبح بمقدور هالك ذي بركة مفترضة، دفع الضر وجلب النفع، فإنه يستحق القداسة إلى حد تأليهه! بحيث يبرز إشكال الخلط بين رب العالمين المعبود وحده، وبين رب نسبي ضعيف معبود من طرف خفي مرة! ومن طرف معلن صريح مرة! يكفي أنني سألت سيدة من معارفي يوما هكذا: هل تعبدين هذا الذي تحملين إليه الشموع من حين إلى آخر؟ أم إنك تعبدين الله عز وجل؟ فأجابتني بدون ما تردد: إنني أعبدهما معا. فهما عندي يستحقان العبادة!
فوجدت نفسي ملزما – من باب الواجب الديني – أن أتحدث عن "البركة" في حلقات. ورجائي من الله سبحانه قوي في أن تستفيد الغالبية العظمى من محتويات موقعي الإلكتروني التي لا أسعى من ورائها في البدء وفي الختام إلا لنيل رضى الرحمان جلت قدرته. مع الإشارة إلى أن حديثي عن "البركة" نشرته في جريدة "السبيل" المغربية التي أثني ثناء عاطرا على مديرها وعلى طاقمها الذي يؤدي خدمات جلى لا تقدر بثمن للإسلام وللمسلمين.
وللتذكير نشرت ما نشرته باسم مستعار لأسباب ألزمتني بما فعلته.
الدكتور: محمد وراضي


عن البركة وأصحابها وأنواعها والمنتفعين بها!
الحلقة الأولى

لماذا الإقدام مني على معالجة موضوع، لي معه شخصيا حكايات من الصعب تبسيط الحديث عنها في عجالة من القول! كما أن للخاصة وللعامة من المغاربة منذ قرون معه صلات وطيدة ونوادر قد لا تخلو من تجسيد مضحكات، أو من تجسيد مبكيات في الواقع المحسوس مرة. وفي الواقع الخيالي أو المجرد اللامحسوس مرة! داخل الحواضر وخارجها من قرى ومن مداشير في السهول وفي الجبال وعند منابع المياه أو قريبا من البحر؟ تساؤل مشروع يفرضه النظر الجاد في العقلية المغربية التي لم نعثر حتى الآن على دراستها دراسة غير عارية تماما عن السطحية والجلابيب الأيديولوجية المكشوفة لدى أدعياء الموضوعية والعقلانية والتقدمية والنزاهة الفكرية! تساؤل سوف نحاول بخصوصه – قدر الإمكان – الوصول إلى إجابات عنه في هذا المقال الذي نعمل على استجلاء محتوياته في حدود حلقات، بعضها يمسك بتلابيب البعض الآخر ويقويه ويتكامل معه.
لن نستعجل استفهام القراء عما تعنيه "البركة"؟ والحال أن هذا الاستفهام زناد، مفعوله الفوري هنا في البحث عن الإجابة الصائبة، يثير نوعا من الدهشة! والدهشة من ضمن عوامل التقصي والمراجعة والتمحيص. خاصة وأن "البركة" كلمة لاكتها، وتلوكها الألسن في بلدنا منذ أزمان سحيقة، ولو بألفاظ مختلفة! وذلك في مناسبات، ربما تمكنا من إزالة بعض مما يلفها من غموض، وإن لم نتمكن من إزالة كل ما يلفها منه!
لا أعرف على وجه الدقة، كيف أفسر - حتى لنفسي – ترددي منذ صغري في القبول ب"البركة" والاحتماء الوهمي بها وبأصحابها لنيل المطالب واستبعاد المدلهمات! إنها عندي لفظة غريبة مبهمة، ولو أنها تدفع بي إلى الدخول في عالم سحري مخيف وجذاب في الوقت ذاته! إلى حد أنني عندما أذهب، أو عندما أعود من الكتاب القرآني، حيث أمر في طريقي بين عدة مقابر، تتنمل أطرافي، ويضطرب وعيي كلما اقتربت من ضريح امرأة يقال: إنها الولية التي بمقدورها فعل كل شيء! إنها تملك من "البركة" ما يكفي لتجود به على قصادها في أية لحظة! كما تملك من القدرات الخارقة ما يكفي لإلحاق أي ضرر تريده بمن يرفضون تقديسها من الأقربين والأبعدين!
غير أنني – وأنا طفل صغير – لم أكن أفهم في عالم "الولاية" ولا في عالم "البركة" ما يفهمه غيري من الكبار المحيطين بي، وأخص بالذكر والدي ووالدتي، وجيراننا من نساء ورجال! حتى الدخول إلى الضريح حيث ترقد تلك الهالكة المقدسة التي لم أتمكن من تحديد هويتها حتى الآن! لم يكن مما يشغل بالي للخوف الذي أشعر به يعتريني أو يتملكني! إذ الكلام المستفيض عن "بغلة القبور" يزعزع كيان الكبار، وكيف بكيان الصغار؟ مما يعني أن قبر صاحبتنا مأوى مفترضا قبل غيره لتلك البغلة المخيفة!
إلا أن أخي الذي يكبرني، ألزمني مرة بولوج الضريح، كي أجدني أغط في النوم العميق إلى جوار السيدة المقدسة! كان ذلك لأول مرة في صبيحة يوم من أيام فصل الخريف. ثم تعودت مع مرور الأيام اللجوء إليه فرارا من المربي الذي كان في زمن طلبنا لحفظ القرآن يبالغ في الاعتداء علينا بالضرب والقرص والعض والركل! مع أنه صوفي ينتمي إلى إحدى الطرق الصوفية! والتصوف – لمجرد الإشارة – يقوم على التربية التي كان ولا يزال من شأنها أن تشحن عقل المربي وقلبه بالشفقة والرحمة واللين اقتداء منه بالمختار الذي يصلي عليه في ورده اليومي لمرات ولمرات! فضلا عن كون هذا المربي يقصد للحصول منه على بركات، لا على بركة واحدة!
وفي الضريح، حيث أفترش الحصير قرب رمس الراقدة فيه، يغمرني الإحساس بالأمان التام، وبأنها تمدني فعلا بالكافي من بركتها الفياضة!
إنها إذن حاميتي من بطش المربي وفظاظته كمعلم للصبيان، وكمؤدب لهم كي يصبحوا فقهاء وعلماء وقضاة، ومعلمين مثله متخصصين في تحفيظ القرآن، لا في تفسيره باستخراج مضامينه وتوضيح مختلف مراميه!
لكن حماية الولية لي ولأخي لن تجدي فتيلا عندما يفاجئنا والدنا رحمه الله نائمين في ذلك البيت الصغير الذي خصصه الأكرمون لسيدة راحلة سخية بعطاءات، لا نقول على أية حال: إنها مادية! فكان أن تعرضنا لعقوبته المتمثلة في تشديد رقابته علينا، ولم يكتف بمجرد تحذيرنا من إعادة الكرة! وإنما أوضح لنا كيف أن تصرفنا يثير غضب الولية الذي سوف ينهال علينا، لأننا بنومنا في حماها نكون قد أسأنا إليها بالفعل! فكان أن تحول أملي في الفوز بحمايتها وشفقتها علي، إلى خوف مؤكد من انتقامها! فاختلط عندي منذ ذلك الحين: طلب البركة، وتوقع ما يمكن أن يلحق بمن لا يحترم صاحبها أو صاحبتها!
ويبدو أن تحذير سيد الوالد من إهانة الولية المحترمة بالنوم في حماها قد تحقق! ففي صباح يوم من الأيام المشؤومة – وأنا إلى جانب أخي ذاهبين إلى الكتاب – ركلتني بغلة جارنا في بطني لأغيب توا عن وعيي. ولم يعد لي كما كان من ذي قبل إلا وأنا داخل منزل ذلك الجار الذي لا تفارق صورته ذاكرتي كلما تذكرت تلك الحادثة المؤلمة التي كنت أتهم فيها للا فلانة الولية بالذات! فأصبحت أنظر شزرا من بعيد إلى ضريحها وكأنها عدوة لدودة لي قاسية أكثر من المربي الذي دأبت على الهروب من شدة تصرفاته تجاه صغار المتعلمين! والنظر شزرا إلى أي شيء لا يحمل أي احترام ولا أي تقدير من طرف الناظر! فالسيدة الولية إذن لم تعد عندي مصدر الحنان والمحبة! ولست أدري، هل كانت عندها في نظري المحدود تمثل صورة أو نموذجا لكل ولي ولكل ولية ترقد هنا وهناك؟ أم إن الخصوصيات تفرض نفسها عندما نستحضر في أذهاننا من لا يكرمنا! ومن يكرمنا في حدود! ومن يكرمنا بلا حدود؟ وهل نذهب إلى أن من لا يكرم، لا بركة عنده؟ وأن من يكرم في حدود إنما يكرم بحسب ما يملكه من بركة؟ وأن من يكرم بلا حدود، تفوق بركته بركة من سواه من أمثاله المدفونين بكافة أرجاء مغربنا المحبوب؟
إنها تساؤلات تطورت في ذهني تدريجيا منذ الصغر، خاصة وأن في المدينة الواحدة أضرحة لأولياء تتفاوت درجاتهم في "البركة"! بحيث إنهم حماة الأحياء. إن لم يكونوا حماة المدينة برمتها! وهم حماة كذلك لهذه البلدة أو لتلك بعيدا عن المدن، مما يعني أن لجوء الفلاحين إليهم لطلب الغيث عند اشتداد القحط – وهم يسوقون بقرة أو عجلا له خوار لإرضاء هذا منهم أو ذاك – يجسد فعلا قناعة هؤلاء بأن ولي بلدهم قادر على مدهم بالمطلوب للتو! فقط لأن له بركة! مع الإشارة الفورية إلى أن "البركة" لا تعطى بالمجان! وإنما بالفتوح التي هي القرابين في الجملة: أي كل ما يتقرب به طالبها إلى المزور المقدس الذي يملك النفع والضر في اعتقاد الغافلين عن الدين الحق! كان ما يتقدم به مالا،،، أو خروفا،،، أو ثورا،،، أو دجاجة!

الحلقة الثانية

إن طلب حيازة "البركة" – على ما يبدو – عقيدة! وقد نقول: إنها عادة راسخة في النفوس منذ القدم! لكنها عادة سيئة على أية حال كما يفهمها أو كما لا يفهمها المغاربة! وذلك حتى لا يغضب العاكفون للتو على الجري وراء طلبها ليل نهار حتى نقرر في شأنها ما سوف نقرره! مع أن عصر الخرافات والأوهام والأباطيل، لا بد أن يتم دفنه دون إقامة صلاة الجنازة على قبره! ومع ضرورة رفع لوحة معدنية فوق هذا القبر مكتوب عليها: "يحذر الاقتراب منه خوفا من الموت"!
خاصة وأن دعوتنا هذه دعوة رفع الراحل المتبصر العلامة محمد بن العربي العلوي رايتها خفاقة! ونير الاستعمار حينئذ جاثم على أرضنا،، وعقولنا،، وقلوبنا! وهي نفس الدعوة (المصطنعة) التي كانت تتقدم خطب وكتابات اليسار المغربي، حيث إنه كان يعدها من ضمن مظاهر الرجعية التي كانت - كما يدعي – مقيتة وتقض مضجعه! بينما نراه اليوم يحيطها بالاحترام والتقدير التامين! دون أن يتخلف عنه محررو الصحف المستقلة التي تبدو سياسيا أكثر يسارية من كل اليساريين! غير أنها فتحت – للأسف الشديد – صفحاتها لترويج أفكار وادعاءات أنصار "البركة" وحماتها والمدافعين عنها!
وما لا بد من التأكد منه، هو أن "البركة" كعقيدة محدثة. أو كعقيدة تمثل امتدادا لبعض من وجوه الديانة المغربية قبل الإسلام! رافقتها منذ نعومة أظافري إلى يوم الناس هذا، لكنني – كما سبق القول – متردد بين القبول بها وبين رفضها. لقد كنت بخصوصها – وأنا أستحضرها في ذهني - كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى قبل اتخاذ قرار حاسم!
وبالعودة إلى ما تمت الإشارة إليه. أؤكد بأن الولية التي كنت أنام في ضريحها، لم تعد مصدرا وحيدا عندي ل"البركة" أو للغضبة الشرسة التي تلحق الأذى بمن تنفجر في وجهه! فقد أصبحت عنصرا فعالا من عناصر المجموعة، أو من عناصر المجموعات الطلابية التي كانت تقرأ القرآن جماعة بالقراءة السوسية المبتكرة المعروف ب: "تاحزابت"! وهي قراءة بها يدخل أصحابها الجنة! على حد زعم شيخ ذي بال من شيوخ الطريقة التجانية في مخطوط عندي يضم بعضا من رسائله وبعضا من تخريجاته الصوفية المنتمية لعالم الكشف والأذواق والأهواء!
لقد كنا نقرأ القرآن داخل المساجد، وداخل باحات الأضرحة، وداخل المقابر بمناسبة دفن الموتى! وداخل بيوت الناس من كبراء ومن وضعاء! كما كنا نقرؤه داخل مختلف الزوايا التي كانت البلاد السوسية تعج بها عجا! فالناصرية المبتكرة للحزب الراتب الذي يتلى بعد صلاة كل من الصبح والمغرب حاضرة! والتجانية المعانقة ل"تاحزابت" حاضرة! والدرقاوية المنتصرة للضلال الطرقي الصوفي حاضرة!
إنما ما علاقة كل هذه التوضيحات ب"البركة" وأصحابها وأنواعها والمنتفعين بها؟
الإجابة عن سؤالنا هذا في غاية البساطة، وفي غاية الوضوح واليسر والسهولة. إن للطلبة بركة وهم حملة كتاب الله عز وجل في الصدور! ولشيوخهم بركة لما لهم من أفضال على من نصبوهم أئمة لهم من جهة، وعلى أدائهم المتميز لوظيفتهم التربوية والتعليمية من جهة ثانية! ولشيوخ الطرق الصوفية ولمقدميها بركة! وللفقراء أو للمريدين بركة! وللمسجد الذي ينعت لدى السوسيين ب"سيدنا جبريل" بركة! وللراقدين في الأضرحة بركة! بحيث إننا لم نجد تفسيرا لإقامة الولائم الخاصة بالطلبة والفقراء إلا في الإلحاح على الانتفاع بما عندهم من نعم خفية تسري منهم إلى كل من أكرمهم عبر الأدعية التي يتفننون في أدائها، وفي تنويعها بالأمازيغية السوسية القحة!
هذا ما تأكد لي شخصيا وأنا أنتقل بحرية تامة من قرية من بلادي إلى أخرى، بعد أن حفظت القرآن كله – والحمد لله – من أوله إلى آخره.
فهل أعطي صورة عن حضوري في ولائم تقام بالمساجد؟ أو أعطيها عن حضوري في ولائم تقدم داخل البيوت؟ أو أعطيها عن حضوري في ولائم تقام داخل باحات الأضرحة؟ أو أعطيها عن حضوري في ولائم تقام في القبائل على مدى شهر أو أقل أو أكثر حسب حجم القبيلة وأعداد الأسر بها, وذلك قصد إنجاز عادة سنوية يطلق عليها "أدوال"! بغض النظر عن جولات الفقراء الناصريين والدرقاويين التي قد تمتد من سوس إلى أحواز مراكش وإلى فاس وضواحيها جيئة وذهابا؟
هكذا نجد يقينا كيف أن السوسيين تعودوا على أن يقيموا ولائم للطلبة أو الفقراء أو لهما معا في مناسبات عدة: منها ازدياد مولود عند الأسرة. ومنها ختان طفل من أطفالها. ومنها وفاة أحد عناصرها. ومنها زواج فرد من أفرادها. ومنها مرض عضو من أعضائها. ومنها عودته سالما بعد غيبة طويلة! ومنها مجرد إقامة، أو صنع ما يسمى عندهم ب"المعروف". أي الإحسان إلى الطلبة داخل البيوت، أو داخل الأضرحة! كل هذا حصل ويحصل من فاعليه جريا منهم وراء الانتفاع بما لدى مدعويهم من قوة خفية تفعل فعلها السحري المضمون على المستوى المادي والمعنوي!
كان أهل أية قرية – ونحن طلبة مقيمون بمسجدها بعيدا عن عوائلنا – يتكفلون بإطعام شيخنا كل يوم. فضلا عن الراتب السنوي الذي يتقاضاه منهم في كل فصل صيف بالتحديد. وكنا نحن الطلبة المسافرون – كما ينعتنا الأهالي – نتناول الطعام بعد أن يكون معلمنا قد نال منه نصيبه! هذا إن كان من المأكولات التي يسيل لها لعابه! وإلا فإنه يقدم لنا القصعة وما تحويه من "كسكس" جاف لا خضرة فوقه ولا ماء تحته. ولا اللبن معه لتسهيل ازدراده! وقلما نتناول اللحم أو المرق إلا في حالات نادرة، فقد تعودنا – بلغة اليوم – على سوء التغذية! دون أن تنفعنا، لا بركتنا، ولا بركة شيخنا مع أنه يقال: "الفقيه ببركته!". وهما بركتان يسعى الكثيرون إلى حيازتهما والاستفادة منهما! إلا أن هبات من كرم بعض القرويين تمر علينا مرور سحابة صيف بمناسبة ختم ولد من أولادهم، الذي هو زميلنا في الطلب للقرآن! كما تهب علينا بمناسبة صنع أحدهم للمعروف داخل المسجد، بحيث تصل إلى معدتنا وأمعائنا قطع من اللحم والبيض المسلوق! فنكون يومها في قمة السرور والحبور! ناهيكم عن النشوة التي نجدها في تلاوة القرآن، وفي تعمد ظهور كل منا بأنه يحفظه! ناهيكم عن التغني بأبيات شعرية ترضي الأستاذ الذي يشرق وجهه وهو يجارينا في ترديد ما نردده من أبيات وكأنه قائد "الأوركسترا"! مما يترجم عن حسن ترحابنا بمن أكرمنا! أما الدعاء الذي يتولاه شيخنا من حيث طوله أو قصره، فيخضع لمدى ما قدمه لنا مكرمنا من طعام ومن مال في بعض الحالات! بحيث يكون مكرمنا قد حصل في النهاية على بركتنا وعلى بركة معلمنا ليتضح كيف أن لنا وله بركة! أما السؤال المطروح بجدية هنا فهو هذا: هل كنا نحن صغار المتعلمين نحمل عندها مسمى "البركة" في نظر العام والخاص؟

الحلقة الثالثة


أوضحنا في حينه كيف أن طلاب "البركة" يحسنون إلى المعلمين إحسانا يكافئون عليه بالدعاء المستجاب! داخل المساجد أو داخل "بيوت الله". كان المتعلمون من الأطفال، أو كانوا من البالغين الراشدين. كانت وظيفة المعلمين منحصرة في تحفيظ القرآن. أو كانت منحصرة في تدريس مختلف العلوم النقلية والعقلية كما هو الحال بالمدارس العتيقة حتى حدود الساعة. وكأن طلاب المدارس والكليات والمعاهد العصرية، لا يملكون ما يقدمونه من بركات! مثلهم مثل طاقم التدريس المؤلف من إداريين ومن أساتذة مختلف المواد الدراسية المقررة!
لقد كنا نطير فرحا كلما انتهى إلى آذاننا خبر إقامة حفل للزواج، أو حفل لازدياد مولود، أو حفل لختان ولد، أو حتى خبر وفاة امرأة أو طفل صغير في مقتبل العمر!
إننا سوف نستدعى حتما إلى الحضور في الوليمة التي يقيمها من احتفل بإحدى المناسبات. وذلك لأن المحتفلين بها لا خيار لهم في استبعاد حضورنا مع المدعويين. إذ أن لديهم اعتقادا راسخا بأن وجود الطلبة في الحفل، وإمام المسجد في مقدمتهم بمثابة طابع يضع المشروعية المطلوبة على ما يرغبون في التعبير عنه من فرح أو قرح! يعني أن حضور حملة القرآن والعلم ملح بدونه لا يستساغ الطعام! فضلا عن كون استحكام العادة في النفوس قد يحول دون التمرد عليها من طرف أي كان، مخافة رد فعل الأهالي الذين سوف يصلونه بألسنة سالقة حداد! معبأة بألوان من السخرية والنقد العنيف اللاذع الجارح! منه التشهير بأنه ختن ولده دون حضور الطلبة والفقيه الإمام في حفل ختانه!
ثم إن المحتفلين بإحدى المناسبات تلك، يرغبون في الصيت الحسن الذي سوف تنتهي أصداؤه إلى كل من في القرية. أو حتى إلى من وراءها، من قرى مجاورة في نفس القبيلة. بحيث إنهم يصبحون عرضة للامتداح. أو يصبحون عرضة للاستهجان. فقد يوصفون بالكرم والجود. وقد يوصفون بالبخل والشح! فيكون المتعلمون ومعلمهم على علم بما يشاع عن أجواد وعن بخلاء القرية. فيتعاملون معهم على أساس ما يعلمون. بحيث إنهم يمتدحون مع الممتدحين! ويستهجنون مع المستهجنين! دون أن يفطن المعلم أو الأستاذ إلى أنه قد أصبح طرفا في النميمة أو في الغيبة! يعني أنه أضحى منخرطا في إدارة لولب المهلكات المقابلة للمنجيات! أو هو بعبارة أخرى ، أضحى طرفا في التلبس برذيلة مقيتة! إضافة إلى ادعائه وادعاء من يواليه بأن المحتفل الذي يلغي استدعاء "أهل الله وخاصته" من حسابه، لن يجني من وراء تصرفاته غير المصائب الناجمة عن حرمانه من البركة التي يحرص كل من في القرية أبا عن جد على الانتفاع بها لتزكوا لهم غلال الأرض والمواشي! إذ ليس هناك أكثر وضاعة ممن لا يقيمون أي وزن يذكر لحملة كتاب الله المبين! مهما تكن ممارسة هؤلاء كمدمنين على بيع آخرتهم بدنيا الأكرمين الذين هم تحت ضغط العادة. وهم يحملون حملا على الإحسان للمتاجرين بالقرآن. مقابل حفنة من مال يحق التساؤل بخصوصه عما إذا كان هو من الحلال أو من الحرام! أو مقابل أطعمة بها يملئون البطون! والحال أنه ص يقول: "ما ملأ جوف ابن آدم إلا التراب"! فضلا عن قوله في حديث آخر له: "نهمان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال"! يقصد العلم النافع والمال الحلال الذي أوضح كل من الكتاب والسنة ما هو، وكيفية الحصول على الاثنين وضوحا لا لبس فيه ولا غموض معه!
ويجب هنا أن لا ننسى ما كنا نقوم به من استعداد للذهاب إلى الحفل. حيث الوليمة التي تتيح لنا فرصة تناول السمن والعسل ولحم الضأن أو لحم البقر، وحتى لحم الدجاج الذي يشكل مع هذين زوجا نفضله على أي فرد منهما وحده! ثم إننا قد تعودنا في الولائم التي ندعى لها على سماع عبارتين قرآنيتين، بعيدا عن مراد الحق سبحانه منهما: الأولى عندما يتعلق الأمر بوجود ماعون واحد! والثانية عندما يتعلق الأمر بوجود ماعونين! فإن نحن سمعنا من أحدنا: "إنما هو إله واحد" عملنا على ملء بطوننا لعلمنا بغياب فرصة موالية لملئها! أما إن نحن سمعنا منه قوله عزوجل: "إلهين اثنين" فإننا نقيس قبل أن نغوص! والغوص هنا معناه: فقد القدرة على تناول ما في الماعون الذي يلي الأول الموضوع أمامنا على الخوان!
وكنا – ونحن نلج منزل من دعانا – نسترق ثالوث السمع والبصر والشم! إذ لم نكن نعرف كيف أن النظرة الأولى لنا والثانية علينا! ربما لأن معلمنا أو شيخنا كان يرى من باب الحشمة أن لا يحذرنا من عدم إتيان ما نحن مصرون على إتيانه!
وعندما ننتهي إلى البيت المخصص لنا داخل المنزل. وبعد أن نستقر حيث يحلو لكل منا أن يستقر، إنما بعيدا عن جوار معلمنا ما أمكن! يوزع علينا مسمى "التفريق" الذي هو عبارة عن أجزاء من القرآن، كي يتسنى لنا إنجاز السلكة في ظرف وجيز. نقصد قراءة كل منا لخمسة أحزاب بسرعة فائقة! وذلك حتى تقصر المسافة الزمنية بين ختمنا للقرآن، وبين الدخول في شوط التنعم بما لذ وطاب من طعام ومن شراب!
ونحن نتناول الشاي المنعنع "المكركب" الرائق، نرفع عقيرتنا بإنشاد بيت أو أبيات كنا نعدها من فصيح الشعر الموزون المقفى! ولو أن بعضها موغل في مجال "الخربقة" و"التخليط"! نظير قولنا وصوتنا يهز المكان خارقا الأجواء إلى حيث يسمعه سكان القرية أو الدوار:
وقالا بلام الف في الذكر ثلاثة ألف لام ميم ص. طه. تلقى مكملا
وهذا لا يعني أننا لا ننشد بيتا أو أبياتا نعدها من عيون الشعر العربي. إذ عندما تحولنا من الكتاب كطلاب حفظ القرآن إلى المدارس العتيقة كطلاب العلم، أصبح بمقدورنا أن ننشد لامرئ قيس قوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي
بينما تغمرنا السعادة وراحة البال، في الوقت الذي نلتهم فيه ما يقدم إلينا من طعام لم تسبقه المقبلات ولا تأخرت عنه. حتى ونحن في عز فصل الصيف! وفي عز أواخر الخريف! حيث تكون فاكهة الرمان وفيرة! والحال أن الشاي كان هو مطلوبنا قبل الطعام وبعده. مع حرصنا على التمتع بالكأس الأولى منه قبل الثانية لما كان قد شاع بيننا من قول البعض: "الأولى كاس، والثانية بلكاس، والثالثة كوب وعطي للناس"!
ثم تكون خاتمة السلكة، بعد أن لم يبق أمامنا أي خوان. مما يعني أن الرحيل قد نادى بالفراق الذي بعده لا شك لقاء آخر في منزل آخر أو في باحة ضريح! والفراق على أية حال ليس هو صنو اللقاء، إذ أننا سوف نظل ذاكرين للوليمة التي أكرمنا بها إلى حين حضورنا في وليمة غيرها تنسينا المتقدمة عليها ونحن نبيع البركة لطلابها. أما سيدنا فيجد في الدعاء حتى يستنفد ما في جعبته من صيغها الموروثة لإيصال فحواها إلى مكرمنا الذي حصد من البركة ما كان يحلم به. دون أن ينسى سيدنا افتتاح دعائه بهذا البيت الذي نردده معه لمرات قبل قولنا جماعة: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين:
فأكرم اللهم من أكرمنا وأكثر الخير لديه والغنى


الحلقة الرابعة

عرفنا في الحلقات المتقدمة أربعة أنواع من البركة، وأربعة أنواع من مصادرها: بركة طلاب حفظ القرآن، وبركة طلاب العلوم الشرعية، وبركة أستاذ هؤلاء، وبركة مؤدبي أولئك!
إنما كيف تصدر البركة عن هذا الرباعي من جهة؟ وكيف تسري إلى المنتفعين بها من جهة ثانية؟
سؤالان نطرحهما على علمائنا، كانوا لا منتمين؟ أو كانوا محسوبين على المجالس العلمية الجهوية؟أو كانوا معدودين من أعضاء المجلس العلمي الأعلى؟ أو كانوا ضمن حركة الإصلاح والتجديد؟ أو ضمن حزب العدالة والتنمية؟ أو ضمن جماعة العدل والإحسان؟ أو ضمن السلفية العلمية التي ينتمي إليها المغاربة جميعهم بدون ما استثناء؟ ما دام أئمتهم الثلاثة: مالك، والأشعري، والجنيد سلفيين علميين، لا سلفيين جهاديين أو تكفيريين!
أما النوع الخامس من البركة، فيتوفر بامتياز لدى مشايخ الطرق الصوفية! بينما يتوفر النوع السادس لدى مريدي، أو لدى أتباع هؤلاء المعروفين ب"الفقراء"، أو ب"الدراويش" ككلمة أصبحت مع مرور الأيام تعني المتسولين أو المتكففين!
فقد عرف المغرب عبر تاريخه الطويل شيوخا صوفيين! يوصفون مرة ب"الصالحين"! ومرة ب"أولياء الله"! ومرة ب"أهل الله"! ومرة ب"رجال البلد"! الذين يوجد من بينهم المسمى ب"مول النوبة" المسؤول دوريا عن حماية حدود سلطنته! لما له من قدرات خارقة، هي قبل كل شيء وبعد كل شيء، ما ينسب إليه من كرامات لولاها ما كان له من البركة ما يغدقه على طلابها وهو حي يرزق! كما يغدقه عليهم وهو راحل عن هذه الدنيا الفانية!
والأمثلة المعتمدة لدينا لتأييد ما ذهبنا إليه، وتأكدنا منه،، وتشبثنا به، يزخر بها أكثر من مؤلف يحوي تراجم عشرات وعشرات من أهل الصلاح المفترضين المرموقين في مختلف العصور. فلو فتحنا مثلا كتاب "التشوف إلى رجال التصوف" للتادلي المعروف بابن الزيات المتوفى سنة 617ه. والذي قام بتحقيقه وزيرنا في الأوقاف: أحمد التوفيق! لأصبنا بالذهول الذي يفاجئنا كقطران مر يسيح بين السطورّ أو يسري كالدم في عروق الكلمات متى افترضناها كائنات لها حياتها ولها لغتها الخاصة على حد ادعاء ابن عربي الحاتمي!
قال ابن الزيات في ترجمته لأول ولي مغربي هو ابن سعدون. "حدثني علي بن عيسى عن شيوخه أن فقيها من فقهاء أغمات وقف عند قبر ابن سعدون. فسمع بعض الصالحين يتكلم معه. فقال له ذلك الصالح: سمعتك تتكلم عند قبر ابن سعدون. فقال له ذلك الفقيه: أنت رجل صالح، ولولا ذلك ما حدثتك، فاكتم علي! أشكلت علي مسألة، فبحثت عنها، فلم أجدها، فأتيت قبر ابن سعدون فذكرت له المسألة، فقال لي من قبره: اطلبها في الديوان الفلاني!!!
وفي ترجمته لثاني ولي هو أبو زكرياء يحيى بن لا الأذى الرجراجي يقول: "حدثوا عنه أنه أخذ ذات يوم منجله لقطع شجر السدر، فبينما هو يقطعه، إذ صادف رجل قنفذ فكسرها. فآلمه ذلك وقال: اسمي يحيى بن لا الأذى. فإذا أنا يحيى بن الأذى! أوذي خلق الله! فأخذ القنفذ، فربط رجله بجبائر وأدخله في خابية، فكان يسقيه الماء! ويطعمه التين والزبيب إلى أن انجبر فذهب"!!!
وفي ترجمته لثالث ولي هو: أبو عبد الله الرجراجي قال: "وحدثوا عنه أن أبا زكرياء المليجي جاء إلى داره ليزوره. وكان طرف قوس قزح عند باب داره. والطرف الآخر في موضع آخر! فلما خرج أبو عبد الله من داره قال: بسم الله الرحمن الرحيم, وجعل رجله على طرف قوس قزح! فلم يزل يمشي عليه إلى أن هبط في الطرف الآخر! فصاح أبو زكرياء المليجي وقال: وصل الرجال إلى هذه المنازل وأنا هكذا. وخر مغشيا عليه. فلما أفاق هام على وجهه. ثم أقبل على الجد والكد إلى أن لحق بالأفراد"!
هؤلاء وأمثالهم من المهابيل – وبدون أدنى تعليق – هم الذين كانوا فيما مضى متخصصين في صنع الكرامات التي أهلتهم كي يصبحوا في نظر السذج مقدسين. ينتفعون ببركاتهم حتى الآن. حيث كانت ولا تزال تنقصهم معرفة دقيقة بفحوى رسالة النبي الخاتم! وخاصة معرفة التوحيد الذي لا يقبل أي نوع من أنواع الشرك الأصغر أو الأكبر!
لقد بنيت أضرحتهم كتقدير من بناتها لما لهم من أياد بيضاء على من جاورهم من المحظوظين! ثم رفعت على تلك الأضرحة قباب! ثم أصبحوا مقصودين للزيارة والتبرك! ثم تأكد للزوار أن لا بركة يحصلون عليها إلا بدفع المقابل، ومن ضمن هذا المقابل مسمى "المعروف" الذي يذبح في أقبية أضرحتهم تلك. حيث يحضر الجيران والأهل والأقارب والطلبة والإمام المدرس المربي!
وكنا ونحن كتلاميذ أو كطلبة من الحضور الذين يجدون أنفسهم في أجواء من الطبيعة الطابعة والمطبوعة المتداخلتين: طابعة لأنها لم تمتد إليها يد الإنسان بالتغيير. ومطبوعة لأنها من صنعه! نقصد الحدائق التي تتوفر على مغروسات مثمرة. يبيح لنا المحتفى بموسمه أو بمولده تناول ثمارها كما نحب ونرضى! إنها وصيته قبل وفاته بجعل البساتين المحروسة "فياعا" لا اعتراض على تمتعنا داخلها بفرص الآصال والبكر كشبان، طوال مدة الاحتفال بموسمه!
نقصد حرية الوافدين عليه وحرية المقيمين حوله مثلنا في التنزه كما يحلو لهم أن يتنزهوا، إنما برضى كامل من المقبور المزور الذي شرع لهم "فياع" بعد وفاته كي ترتبط ممارسته بتخليد ذكراه على اعتبار أنه من الخالدين!
دون أن نغض طرفنا هنا عن السلكة أو السلكات التي "نخرجها" في أيام الموسم السبعة. ناهيك عن "بردة" البوصيري وعن "همزيته" اللتين كنا شغوفين بوقعهما في النفوس! مع أننا كنا باستمرارذاهلين عن جانب من جوانبهما الصوفية! كما استمر علماؤنا وفقهاؤنا وطلاب العلم وحملة القرآن عندنا حتى الآن في نفس الذهول الذي كان يشملنا بعطفه حتى تظل قداسة البوصيري متعالية عن أي انتقاد وعن أي تجريح!
ودون أن ننسى التمتع بالمأكولات التي يحضرها سكان البلدة إلى المحتفلين بمناسبة ميلاد السيد! أو بمناسبة وفاته! أوبمناسبة تنظيم موسمه! فضلا عن الأطعمة التي يتم طهيها في عين المكان بيد الطاهيات المعروفات الماهرات! ودون أن ننسى ما كنا نحصل عليه من مال فضلا عن الطعام،، كل ذلك وبركة السيد الوقور المقدس تحيط بنا من كل جانب، ونحن هنا تعني جميع من حضر الموسم من نساء ومن رجال ومن أطفال! كما أن كلا منا يحصل لا شك على نصيبه من دعاء الفقيه المربي الفاضل الذي يصيب في نظرنا كبد الصواب!



الحلقة الخامسة

إن طلبنا الإذن من المتصوفة الطرقيين ومن غير الطرقيين! وطلبناه من أنصار ومن أتباع هؤلاء! وطلبناه من عقلاء علمائنا ومن عقلاء مثقفينا. ثم طلبنا إذن من لا يكف عن تمجيد العقل ومسمى الحداثة والعصرنة!
إن طلبنا من كل هؤلاء الإذن الصادق مكتوبا وغير مكتوب في الاحتكام إلى العقل بخصوص "البركة" وأصحابها والمنتفعين بها! فأذنوا لنا مشكورين! لا لأننا نتملقهم تملق المتكففين لذوي الأموال! وإنما لإخبارهم بأننا كباحثين، لسنا مجرد حرفيين! فنحن مثلهم نرى أن لا اجتهاد مع النص! وإنما نفتح الأبواب أمام كل ما يعقل. ونوصده أمام كل ما لا يعقل! وأن انتهاجنا لهذا النهج التقدمي لا الرجعي! فرضه علينا أكثر من نص نقلي! فضلاعن كون الصفة الرابعة الواجبة في حق نبينا هي "الفطانة" لا"البلادة" و"التحجر"!
ففي الحلقة الرابعة وجدنا رجلا يفتي من قبره من استفتاه! وآخر يجبر القنفذ الذي كسر رجله! وآخريمشي فوق قوس قزح من أدناه إلى أقصاه! دون أن تثير كل هذه المهازل مؤلف كتاب "التشوف إلى رجال التصوف"! ودون أن تثير ذهول محققه الواعي الذي يعد في نظر غيرنا من عقلاء المغرب المعاصرين!
ولا نحتاج هنا إلى التساؤل عما إذا كان الثلاثة المخبولون المذكورون قبله وعاء ينضح كرامات وبركات! مع مجرد الإشارة إلى وجود عشرات من أمثالهم نعرفهم كجيران لنا معرفة جيدة! نقصد جيران الدنيا ولو أنهم هلكوا منذ أزمان! ولا يزال بعض ممن يحملون نفس صفاتهم بين ظهرانينا يتكاثرون كالفطرعلى حد تعبير ابن قنفذ في "أنس الفقير وعز الحقير". إذ متى تمت لنا معرفتهم، حق لنا أن نغسل أيدينا وأرجلنا معا على ما خلفوه، وكتبوه، وقالوه، وفعلوه وداع عنهم وانتشر!
وما نضيفه لخصوم السلفية العلمية دعاة العقلانية، هو جهل المغاربة المؤكد لهوية العشرات ممن يلجأون إليهم لطلب البركات! ثم إنه ما على من نخاطبهم بإسداء النصح غير التمعن فيما نسوقه مختصرين نقلا عن كتاب "المحاضرات" للحسن اليوسي:
1- قال: "وقد صعدت في أعوام الستين وألف (1060ه) إلى جبل هسكورة. فإذا برجل نزل عليهم من ناحية الغرب. واشتهر بالفقر، وبنى خباء له. وأقبل الناس عليه بالهدايات والضيافات. وكان من أهل البلد فتى يختلف إليه ويبيت عنده. فاستراب في أمره بعض الطلبة. فتلطف مساء ليلة حتى ولج الخباء، فكمن في زاوية منه. فلما عسعس الليل، قام المرابط إلى الفتى فاشتغل معه بالفاحشة. ولم أدر ما كان من أمره ومثله كثير"!!؟؟
2- وقال: "ومن أغرب ما وقع من هذا أيضا بسجلماسة ما حدث به أخونا في الله الولي الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن علي بن طاهر الشريف المعروف بابن علي رضي الله عنه. قال: ما لعب بإخواننا يعني أشراف سجلماسة إلا رجل جاءهم في البلد، واتسم باسم الصلاح، ووقع الإقبال عليه، فكان يأتيه الرجل فيعده بأن يبلغه إلى مكة، ويحج به في طرفة عين! واستمر على ذلك، ثم قام نفر من الأشراف اتفقوا على اختباره. فكمنوا قريبا منه، وتقدم إليه أحدهم وعنده خمسون مثقالا فقال له: يا سيدي! إن هذه الصلاة تثقل علي فعسى أن ترفعها عني! وأفرغ تلك الدراهم بين يديه وكأنه هش لذلك! فبادره الآخرون قبل أن يستفي كلماته وأوجعوه ضربا وطردوه!
ثم بعد مدة، سافر بعضهم إلى ناحية الغرب، فمر بعين ماء هناك. فإذا الرجل عنده يستقي قربة ماء منها، وإذا هو يهودي من يهود معروفين هنالك! نسأل الله العافية. فالحذر مطلوب، ولا سيما فيما نحن فيه في آخر الزمان الذي استولى فيه الفساد على الصلاح، والهوى على الحق، والبدعة على السنة. إلا من حصنه الله. وقليل ما هم".
3- ثم قال: "ومما وقع بسجلماسة قريبا من هذه القصة. أنه شاع في البلد ذات ليلة أنه قد ظهر رجل في المدينة الخالية (=المقبرة)، فأصبح الناس يهرولون إليه أفواجا. وخرجنا مع الناس! فقائل يقول: ولي من أولياء الله! وآخر يقول: صاحب الوقت (= مول النوبة). فلما بلغنا المدينة، وجدنا الخلق قد اجتمعوا في كل ناحية على ذلك الرجل، حتى إن أمير البلد وهو محمد بن الشريف، خرج في موكبه حتى رآه، فلما كثر الناس، اشتد الزحام عليه، وتعذرت رؤيته, فدخل في قبة هناك في المقابر، فأخرج كفه من طاقة في القبة. فجعل الناس يقبلون الكف وينصرفون! وكان كل من قبل الكف اكتفى. ورأى أنه قضى الحاجة! فقبلناه وانصرفنا!
ثم بعد أيام، سمعنا أنه ذهب إلى ناحية الغرفة، وأنه سقط في بئر هناك ومات. فظهر أنه رجل مصاب. وكأنه يشتغل باستخدام الجان ونحو ذلك فهلك! وإنما ذكرنا هذا ليعلم وينبه لمن هذا حاله! فكم تظاهر بالخير من لا خير فيه! من مجنون! ومعتوه! أو موسوس أو ملبس! فيقع به الاغترار للجهلة الأغمار"!
إنهم ثلاثة خداعين ماكرين! لولا الاطلاع على مكرهم وعلى خداعهم عن طريق مجرد صدفة. لأصبحوا بعد وفاتهم مزورين مقدسين! بعد أن ترفع على أضرحتهم القباب! إنهم بلغة اليوسي متظاهرون بالصلاح. فوقع بهم الاغترار للجهلة الأغمار! مما يشير إلى أن لدينا أضرحة أصحابها يقصدون للتبرك! والحال أنهم مجهولون كذابون محتالون! ومما يشير إلى أن الجهلة الأغمار في القديم والحديث، ليسوا بالضرورة أميين. فقد ينتمون إلى هذه الفئة من الناس بالفعل. وقد ينتمون إلى الفئات المحدودة من المتنورين! أو لم يقبل الحسن اليوسي تلك اليد الممدودة تأسيا منه بالمخدوعين المصدقين للأوهام وللخرافات السائدة في عصره؟ مما يبرهن على أن أدعياء العلم والعقلانية قد يقعون في وقتنا الحاضر بالذات ضحية دعاة الصلاح في صور مخالفة من حيث الظاهر لتلك التي كان العلامة اليوسي ونظرائه ضحية لأولئك؟ بل إننا نجد في تاريخنا المعاصر نفسه صوفيين أميين وأشباه أميين، يقودون خلفهم – وهم عميان لا يبصرون – مآت إن لم نقل آلاف الأتباع والمعجبين! وكأن العقلية المغربية لم تغادر مكانها الذي يعبر أصدق تعبير عن كونها ترى الجمع بين العقلانية واللاعقلانية حقيقة ممكنة! فإذا بمن يقال: بأنهم نصيون حرفيون رجعيون يستهجنون ويرفضون عقلية تقبل الأساطير والأضاليل! بحيث يبدو السلفيون الملتزمون بخصوص هذه القضية بالذات أكثر تقدمية من دعاة التقدم! وأكثر عقلانية من دعاة العقلانية! وأبعد عن التخلف والرجعية من خصومهم الذين يصفونهم ب"الظلاميين"! كما يصفون أفكارهم ب"الأفكار الظلامية"! نقول: هل من باب العقلانية والتقدمية ، أن نركن إلى فكر يدعي امتلاك من قدمنا بعضا من نماذجهم لبركة تنفع طلابها عند الشدائد؟ أو متى تم تنظيم موسم لولي يجهل قصاده حقيقة أمره؟ وهل يصح طلب الخير مما لا خير فيه؟أو بعبارة أخرى طلبه ممن أصبحوا أثرا بعد عين؟


الحلقة السادسة

قد ينتظر المنتظرون المتصفون بالصبرالجميل خواتم مقالنا. أو هم – إن شئنا - ينتظرون خاتمته، بعد كل ما دار حول البركة وأصحابها وأنواعها والمنتفعين بها من حديث حتى الآن؟ قد يتساءلون – لا شك – عن البركة ذاتها ما الذي تعنيه؟ ما هو حدها حسب تعبير القدامى من فقهاء ومن علماء ومن أصوليين؟ أو ما تعريفها إن كان لها حقا تعريف جامع مانع. بحيث يقع عليه إجماع العامة والخاصة؟ وهو في نظرنا – أي الإجماع حول تعريف موحد لها – لم يحصل في الواقع، لا في الماضي ولا في الحاضر.. ربما لن يحصل في المستقبل المنظور. ولكنه – من باب التفاؤل – لا بد له في يوم ما أن يحصل؟
وأنا مسافرأومقيم منذ أزيد من عقدين. كنت ولا أزال أسأل عن مفهوم البركة غيري، أسأل عنها من أقابلهم من رجال ومن نساء، ومن كبار ومن صغار. قريبا من بعض الأضرحة أو بعيدا عنها. أسأل المواظبين على زيارتها دون إغفال سؤالهم عن أسبابها أو عن دوافعها. أسألهم ربما لساعات طوال. كما حصل لي مع سيدة جارة محرومة من الإنجاب. وقد تجاوزت في عمرها الأربعين. سألتها يوما فأفادتني أن البركة بالتحديد هي "ما منحه الله للمزور المقدس وحده دون من سواه"! ثم استوضحتها عن هذا الممنوح من الله للمزور ما هو؟ فكان أن أجابتني: "هو البركة"؟ فاقتنعت بأنني لن أخرج معها من الدوران داخل حلقة مفرغة. وبأنني لن أحصل – وأنا أحاورها – على ما أرغب في الحصول عليه. ومع ذلك استفدت منها ما اعتبرته حينئذ معلومة ذات بال. إنه تفاوت المزورين المقدسين فيما لديهم من بركة هي نتائج لأعمال إيمانية. فهذا يملك منها ضعف ما يملكه آخر. نكرة كان أو معرفة! وأضعاف الشيء ممكن قياسها بوضعها في الميزان. مع احتمال أن تكون من المحسوسات. وقد تكون من المعنويات؟
ولما أتيحت لي فرصة مقابلة رجل طاعن في السن من عائلتي، سألته عن البركة ما هي؟ فما كان منه غير أن حكى لي رؤيا وقعت له في إحدى الليالي فقال: كنت في النوم هنا حيث تراني، فإذا بي إلى جانب رجل ذي لحية كثة. عليه جبة صوف، وعلى رأسه عمامة بيضاء سابغة. فسلمت عليه دون أن أكلمه بعد السلام عليه ولو بكلمة واحدة. وبعد أيام – وهذا كله في النوم – قابلته في ضريح بعيد عن مدينتنا هذه. فكان أن سألته بجرأة لا متناهية: "ما الذي تبحث عنه وأنت تكثر من زيارة أضرحة الصالحين"؟ أجابني على الفور: "أرغب في الحصول على أكبر قدر ممكن من البركة التي يملكونها"! فرد عليه صاحب الرؤيا بقوله: "وهل تظن أن بركة هؤلاء المزورين لن تنتهي إلى يوم القيامة"؟
وبعد حين من مفارقتي للشيخ الوقور الذي ألهمني هو والسيدة الجارة ما حملني على التأمل فيما سمعته منهما، تساءلت والحيرة تحيطني من كل جاني: أو لا تكون البركة فعلا منحة من الله لعبد من عبيده؟ وإن كانت كذلك، أو لا يتفاوت الصالحون في المقادير التي لكل واحد منهم منها كهبة أو كعطاء رباني لا دخل فيه لأي تصور وهمي خرافي أسطوري؟ هذا إن نحن تمكنا من تحديد ماهية البركة كمفهوم إجماع الناس قد عقد حوله! وإلا فإن ما يمنحه الله عز وجل للمخلصين من عباده، لا يصح حصره في مسمى البركة وحدها ككلمة غامضة نرى أنها منحدرة إلينا من العصور الغابرة لدى مختلف الشعوب في القارات الخمس! أما إن كانت البركة بمعنى الزيادة والنعمة على العموم – كما سوف نرى - فإن قبولنا بكونها منحة إلهية لا يسمح لنا إطلاقا برفضه أو برده.
إنها مرتبطة تاريخيا بعبادة أرواح الموتى قبل البعثة المحمدية وبعدها حتى الآن! فقد ساد الاعتقاد في المجتمعات القديمة، وحتى في المجتمعات المتخلفة المعاصرة بأن الأرواح "لها نفس الرغبات والميول التي كانت تنزع إليها من قبل" وأصحابها أحياء! وهناك اعتقاد "بوجود أرواح حارسة تتولى حراسة المنشآت – والمدن والقرى – والمؤسسات، قد يعبر عنها أحيانا بالاصطلاح "أسياد المكان"! هذا الاعتقاد قد يفسر لنا الممارسات المتعلقة برش الدم الإنساني أو الحيواني على أعتاب أو أسوار المباني والمؤسسات، أو وضع وتعليق رقى وتمائم على أبوابها بقصد تهدئة خواطر أسياد المكان من الأرواح أو تحويلها إلى روح حافظة حارسة.
ولا يزال الاعتقاد في الأرواح الواقية موجودا عند كثير من الجماعات وفي كثير من القطاعات المتخلفة من المجتمعات الراقية! ولا زلنا نشهد إلى وقتنا الحاضر في مجتمعنا العربي آثار هذا الزعم" بحيث يتم اللجوء للتخلص من مختلف الشرور المفترضة: إما إلى المشعوذين الأحياء – ومن ضمنهم بعض دعاة الصلاح وحملة القرآن وحفظته – وإما إلى أضرحة الأولياء المفترضين المالكين لبركة بها يستطيعون إبطال كل تهديد يوجه إلى قصادهم الذين يعتقدون أن لا أحد غيرهم له قوة خارقة للعادة تمكنه من فعل ما يريد!
لقد تحدث الدكتور أحمد الخشاب في كتابه: "الاجتماع الديني" عن عبادة القوى الخارقة، فأشار إلى أن قدماء المصريين كانوا يطلقون اسم "كا" على كائن إلهي، وكانوا يرون أنه يتحد بالجسم بعد موته وتحلله، كما أنهم كانوا يعتقدون أنه يولد مع كل إنسان، وينفصل عن الجسد وقت الموت، ولا يعود إلى الجثة إلا بعد تحنيطها والقيام بطقوس أوزيريس!
كما نشير إلى أن كلمة بركة المستعملة في الجماعات الإسلامية، وخاصة في شمال إفريقيا، حيث تتصورها العامة - بل حتى جل الخاصة – على أساس أنها شيء سيال مقدس يفيض من الأولياء والمرابطين ويمتد إلى كل ما يمسه الوالي من ثياب أو طعام أو شراب أو ماء. ويظل هذا الشيء عالقا بقبره! يتبرك به المريدون ويزعمون أنه عن طريقه تقضى حاجاتهم وتشفى أمراضهم"!
وإن وجدنا البركة – بالمعنى الذي سقناه للتو – مرادفة ل"كا" لدى المصريين القدامى، فإننا نجدها كذلك مرادفة لمسمى "المانا" لدى الكثير من الشعوب البدائية. وخاصة منها الجماعات الطوطمية.
ويبدو أن أحد المتفلسفين المغاربة مرتاح إلى تفسير كل من "كا" و"المانا" بالبركة. فقد أكد هذا الارتياح في كتاب "الفكر الإسلامي والفلسفة" لطلاب الباكالوريا في أوائل السبعينات من القرن الماضي. دون أن نعلم هدفه من وراء تعبيره عما اقتنع به؟ هل كان يرمي إلى نقد البركة كمفهوم ديني جرى تحريفه. مما يستدعي تدخل العلماء لتنبيه الأمة إلى وجوب التخلي عنه لكونه يجر إلى نوع من الشرك مذموم؟ أم إنه – وهو اشتراكي يساري – يريد وضع يده الناقدة على رمز من رموز التخلف والرجعية؟
مهما يكن فإن البركة من صميم الذكر الحكيم، ومن صميم السنة النبوية الشريفة. لكنها حرفت عن معناها اللغوي والديني الذي لا يشير إطلاقا إلى أي لون من ألوان الخرافة التي لا تزال ترافقه! بل يزيد الطين بلة، تدخل المتصوفة في تشويهه وصرفه عن مجراه الحقيقي الواضح، كما سوف نشرح لاحقا ما ندعيه وندافع عنه بالكافي من أدلة نقلية وبالكافي من أدلة عقلية، وحتى تجريبية.


الحلقة السابعة

ولكي نمضي في المزيد من استجلاء مفهوم البركة لغة ونقلا وعقلا. نقف للحظات عند اجتيازالطرقيين الصوفيين كمتطفلين للخطوط الحمراء! أي بدون ما إذن مشروع يسمح لهم بالاجتياز! نقصد بدون ما توجيه من الكتاب والسنة من باب الاجتهاد الذي فتحه سيد الناس على مصراعيه، كلما تعلق الأمر بنوازل لا نص يذكر بخصوصها. بينما البركة ومشتقاتها وتوابعها كمصدر منصوص عليها في آيات قرآنية وفي أحاديث نبوية، مما يجعل من تحويرها أو من تغييرها ابتداعا لا يسمح به لأي كان بقدر ما وجه اللوم والتقريع وحتى اللعن الشديد إلى المتورطين في تحريف أو تشويه ما تم التحذير من تحريفه أو من تشويهه ببراهين واضحة معروفة.
فقد زعم الطرقيون أن البركة سر سيال لا محسوس يتدفق من الشيوخ إلى المريدين المرضيين الراضين، كان هؤلاء الشيوخ من الأحياء أو أصبحوا في عداد الأموات! تتدفق منهم البركة عبر العصور صادرة من النبي الخاتم وهي تمر بسلاسة عبر قنوات نظيفة نقية طاهرة. هي نفوس أو قلوب رجال متقين ورعين صادقين. أخلصوا لربهم واتبعوا رضوانه. واقتدوا بمجتباه ص، وحرصوا على أن لا تغمض لهم عين، وهم يدافعون بالقلم واللسان والممارسات التعبدية الشاقة عن السنة النبوية التي طالما أكثروا من الصلاة على صاحبها في سياق أدائهم الليلي والنهاري لمسمى الأوراد أو الأذكاربكيفيات وفي أوقات تدخل عند المتسننين العقلاء في إطار ما يصح وصفه ب"لزوم ما لا يلزم"!
إنهم يتحدثون عن الأسانيد، أو عن السلاسل الذهبية الفريدة التي تربط الشيوخ بالمختار كخاتم للأنبياء والرسل مرورا من الأسفل إلى الأعلى بالحسن البصري، فعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه! وكأن بقية الصحب الكرام وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان لا يحملون البركة! ولا صح أنه ص زودهم بها..ولا صح أنها تسري منهم عبر عشرات من أهل الصلاح إلى شيوخ لطرق صوفية لم ينوهوا – من باب التزود بالأسرار والمعارف العليا – سوى بعلي لا بغيره!
فكل مريد تابع لشيخ طريقة يفخر بسنده افتخار أستاذه ومربيه ومرشده به. إنه قبله يحمل بركة قطعت أشواطا ومراحل كي تصل إليه وتستقر في أعماق قلبه صافية خالية من أية شائبة. فكما تلقاها شيخه متدفقة سيالة تنعش النفوس وتغمرها بالطمأنينة، يتلقاها كذلك المريدون الذين يقدسون شيخهم كنموذج لذي بركة يغدقها على من حوله! وحتى يدوم إغداقها على من حوله كسر أو كقوة خارقة، أكرمه المنتفعون بها مباشرة ببناء ضريح له.. وبرفع القبة عليه، دليلا منهم وإعلانا على أنهم لا يتصفون بالبخل والأنانية! فإن كانوا ينتفعون ببركة مفقودهم المتبرك به دون غيرهم من الغرباء الذين لا يعرفونه. فإنهم قد وسعوا دائرة المنتفعين بها كي تشمل كل زائر محتمل لضريحه المقدس! وكأن مريديه قد أسدوا معروفا لا ينسى ولا يقدر بثمن للأجيال المتلاحقة التي سوف تعرف قدر الشيخ فتكرمه وتدعو له في أحسن الأحوال. وقد تستغيث به في أسوئها! كان المستغيثون عند قبره جالسين أو قائمين، أو كانوا بعيدين عن قبره لقدرته الخارقة على أن يسمع دعاء الداعين فيستجيب؟؟؟ إذ البركة وحدها مطلوب الأقربين والأبعدين!
وحتى نصحح الوضع المقلوب للبركة الذي تولى إحداثه الطرقيون قبل غيرهم من خلق الله – على الأقل في بلدنا – وحتى نجعلها تسير مجددا على قدميها بعد سيرها الذي طال أمده على رأسها - وهو أمر غير طبيعي – نتساءل لغويا عما هي البركة؟ ثم نعقب على هذا التساؤل بآخر يقويه ويشد من عضده هكذا: ما المقصود بالبركة وما حولها في كل من كتاب الله وسنة نبينا ص؟ إذ عندما نحدد معناها انطلاقا من هذين المصدرين الموثوقين. نكون قد وجهنا لطمات للطرقيين، ولطمات لغير هؤلاء من أفراد ومن جماعات الأمة التي لا تزال غير مدركة لكون البركة كما يجري تداولها مجرد بدعة ضلالة. وكل ضلالة في النار على حد ما تكرره الغالبية العظمى من أئمة المساجد عندنا في كل خطبة جمعة منذ شهور وأعوام وعقود وقرون!
لغويا نجد ابن منظور في "لسان العرب" يتحدث عن البركة بمعنى الزيادة والنمو. فإن كانت الزيادة هي الفائض والفضل والعلاوة. وكان النمو هو الكثرة والازدهار والتطور والنجاح والتعدد والوفرة. فلم لا تكون البركة عبارة عن كل هذه المعاني جملة واحدة؟
وبما أنها كذلك سهل علينا فهم معنى التبريك الذي يعني الدعاء للإنسان أو غيره بالبركة. يقال: بركت عليه تبريكا، أي قلت له بارك الله عليك. وبارك الله الشيء وبارك فيه وعليه: وضع فيه البركة.
ففي سورة الأعراف نقف عند قوله عز وجل: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون".
والبركات هنا يراد بها المطر والنبات. إنها إذن نعم من الحق سبحانه. ومتى توفرت للمؤمنين النعم غمرتهم السعادة القصوى كلما أخلصوا لله واتقوا الشرك به. بحيث نكون هنا أمام نعمتين. وبالتالي أمام بركتين: بركة حسية وبركة معنوية.
وفي نفس السورة نقرأ ما يلي: "قالوا أتعجبين من أمر الله. رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. إنه حميد مجيد".
يعني عند القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت. والبركة هنا – كما قال ابن منظور – هي النمو والزيادة. ومن تلك البركات – يقول القرطبي – إن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا من ولد إبراهيم وسارة".
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي ص في عصبة من أصحابه فقلت: السلام عليكم. فقال: "وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك". قال: ودخلت الثانية (= في مناسبة أخرى) فقلت: السلام عليكم ورحمة الله. فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثلاثون لي وعشرون لك". فدخلت الثالثة (في مناسبة أخرى) فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك. أنا وأنت في السلام سواء"!
في إشارة واضحة من الشاهد والمبشر والنذير إلى أن السلام ، لا يصبح كاملا إلا بهذه الصيغة "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". وأن الرد عليه لا يصبح كذلك إلا إذا كان هكذا "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته"!
والصيغتان معا دعاء متبادل بين البادئ بالسلام وبين من يرده عليه، مع اقتران الرحمة والبركات في الصيغتين. فإن كانت الرحمة تعني عفو القدير وغفرانه أو مغفرته، وهو الله عز وجل بالتأكيد، فإن البركات تعني مزيدا من الرحمة والإحسان ومزيدا من العطاء المادي والمعنوي الذي نقصد به كثيرا من التواب والأجر والحسنات والتوفيق والتفقه في الدين والتمسك بحبل الله المتين. وهي كلها نعم أو بركات لا عد لها ولا حصر!

الحلقة الثامنة

إن قدم لنا اللغويون من أصحاب المعاجم خدمات، فلأنهم – من غير أن يدركوا – سهلوا علينا مأمورية الخروج من ضيق الشك إلى رحاب اليقين. ثم إن القرآن الكريم بلسان عربي مبين نزل. مما يعني أنه مصدر ثري من مصادر لغة الضاد المضبوطة التي يحول ضبطها دون صرف ألفاظها عن المعاني التي وضعت لها. ك"البركة" على سبيل المثال.
وعليه، فإننا لن نتوقف عن محاولة تقريب ما تدل عليه إلى الأذهان، إلا إذا قدمنا بكامل الوضوح ما يتوفر لدينا من براهين. وما تدل عليه – في البدء وفي الختام – يتناقض تمام التناقض مع القول بأنها سر أو أسرار سيالة، تنبع من قلوب شيوخ، أو من قلوب مرشدين، متدفقة مندفعة صوب قلوب المريدين أو المسترشدين!
وتعضد وجهة نظرنا ألفاظ أو كلمات قريبة منها، أو يربطها بها نسب مثل : "تبارك" و"مبارك" و"مباركة" الواردة كلها في القرآن العظيم.
ففي سورة الأعراف، نقف عند قوله سبحانه: "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين". يعني أنه عز وجل تعالى وتعاظم وارتفع. فباسمه يتبرك المؤمن، أي يطلب الزيادة في الرزق والعلم والهداية. وباسمه يتيمن ويتفاءل. أي أنه يطلب ويتوقع الخير.
وفي سورة الأنعام نقرأ قوله جلت قدرته: "وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه". فيكون لفظ "مبارك" هنا صفة تعني: بورك فيه، أي في القرآن الكريم الذي يستحيل علينا تحديد بركاته كخطاب "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". مما يؤكد لنا كيف أن مضامينه بدون ما استثناء حقائق مطلقة، لا حقائق نسبية! ومما يؤكد لنا كيف أن كل حقيقة من حقائقه على حدة بركة قائمة الذات، وما يجمعها يندرج تحت مسمى العناية الإلهية التي نقرأها جلية في المعتقدات والعبادات وفي الأحكام الشرعية العملية. فتحريم الخمر وفرض الوضوء والغسل وتحريم الزنا بلغة القرآن. والعهارة بلغة الأخلاق، أمثلة مجسدة في الواقع لنعم الله على الإنسانية جمعاء. أو مجسدة إن شئنا لبركاته التي تمكن المؤمنين من أدوات، وظيفتها في الوقاية من مختلف الأمراض تشكل ثقافة لن يجادلنا أي ملحد،، أو أي منافق،، أو أي زنديق في وجاهتها! إنها كلها من بركاته عز وجل،،، نقصد من نعمه أو من أفضاله ومنحه ورحماته.
وفي سورة النور نقرأ قوله تعالى: "كأنها كوكب ذري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية".
وفيها نقرأ: "فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة".
ثم نقرأ في سورة الدخان: "حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين". والليلة "المباركة ليلة القدر، ويقال: ليلة النصف من شعبان. ولها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة القدر. ووصفها بالبركة لما ينزل الله فيها على عباده من البركات والخيرات والثواب".
ولا مانع لدينا من سوق قوله سبحانه إتماما للفائدة: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير".
فباركه وبارك له وفيه وعليه وحوله مباركة معناه: وضع فيه البركة التي تعني هنا – كما أسلفنا القول - نوعين من النعمة: مادية ومعنوية. فمن جهة بارك الله حول المسجد الأقصى بالثمار وبمجاري الأنهار، ومن جهة باركه لمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين. ومن هنا جاءت القداسة التي أضفاها عز وجل عليه. والقداسة بركة تميزه عن بقية مساجد أخرى غيره ما عدا الحرمين الشريفين،، وكل بركة زيادة وكل زيادة نعمة ومدعاة إلى السعادة. مما يعني أن المقدسيين يقيمون على أرض مباركة طيبة وضاءة. دون أن نغض الطرف عما حول المسجد الذي تمتد إليه كذلك البركات... ودون أن يخطر ببالنا الحد الجغرافي الذي تمكن استفادته من كلمة "حوله" كظرف مكان يؤلمنا اليوم ويدمي قلوبنا ويحز في نفوسنا ما يتعرض له من اعتداءات مصدرها ملة الكفر الواحدة، التي تدوس القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بحوافرها. في غفلة من حكام العالم الإسلامي الغارقين في الرفاه المادي من أخمص الأقدام إلى أعلى الهامات!
فعند الإمام أحمد في مسنده قوله ص: "كلوا في القصعة من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها. فإن البركة تنزل في وسطها".
وعند أبي داود في سننه قوله عليه الصلاة والسلام: "البيعان بالخيار. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما. وإن كتما وكذبا، محقت البركة في بيعهما".
وعند الإمام مسلم في صحيحه قول رسول الله ص: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين. ينزل الله الغيث فيقولون: الكوكب كذا وكذا. وفي حديث المرادي: بكوكب كذا وكذا". وعن أبي سعيد الخذري أن رسول الله ص قال: "أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله إليكم من زهرة الدنيا. قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: بركات الأرض"!
وفي موطأ الإمام مالك بن أنس عن أبي هريرة أنه قال: "كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله ص. فإذا أخذه رسول الله ص قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك. وإني عبدك ونبيك، وأنه دعاك لمكة. وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه". ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر".
وهكذا نستخلص من براهين نقلية: قرآنية وحديثية نتائج شديدة الوضوح إلى حد أنها قد لا تفسح المجال على الإطلاق أمام ادعاء من أي كان، بأن البركة قوة خفية لا مرئية فعالة من نصيب صفوة الصفوة! لمالكها قدرة خارقة على التأثير فيمن حوله وفيما حوله! بحيث إنها – أي البركة – تسري من قلب إلى قلب، أو إلى قلوب، مما يسمح لدويها بالتصرف في كل شيء! كما يحلو لهم أن يتصرفوا. كانوا على قيد الحياة، أو انتقلوا إلى عالم ما بعد الموت!
وإن نحن أبطلنا مثل هذه المزاعم الظلامية التي هي افتراء على الله والرسول! وعززنا إبطالنا لها بدعوتنا إلى التعامل مع دعاتها تعامل المختار معهم كمبتدعين ضالين! إساءتهم إلى الدين الحق لم تعد خافية. وإنما هي أصبحت مفضوحة مكشوفة. لزمنا التأكيد على أن البركة عطاء رباني يجسد في الواقع صورة مشرفة باهرة للعناية الإلهية الشاملة لكافة مخلوقاته سبحانه. ثم إنها منه منحة وفضل ونعمة. بإمكاننا التمييز فيها بين العامة والخاصة. وبين المطلقة والمقيدة. وبين المادية والمعنوية. فالعامة والمطلقة هنا بمعنى واحد، يعني أنه سبحانه لم يمنع من رحمته كل من خلق، وكل ما خلق. أو لم يخبرنا في البسملة بأنه عز وجل رحمان رحيم؟ أو لا نجد رحمته في الرياح والغيث والزروع والوديان والغابات وكافة الأرزاق التي نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر؟ أو لم تصل هذه الرحمة إلى الإنسان حيث هو مقيم؟ أو لم تصل إلى مختلف الحيوانات والطيور والحشرات والحيتان في البحر؟
أما البركات المقيدة بالإيمان والتقوى فأرزاق خاصة يتفاوت بخصوصها المؤمنون. ومن جملتها التفقه في الدين والتبحر في العلوم،، إنما هل بمقدور أصحاب البركات التصرف فيها بالجود والكرم. تمثلت في المتاع الدنيوي أو تمثلت فيما لدى الأتقياء من حسنات عدها من باب المستحيلات؟

الحلقة التاسعة

ولما صح عندنا أن البركة أنواع، أبرزها ما هو مادي وما هو معنوي أو روحي. حق لنا التساؤل عما إذا كان المتوفرون عليها أحرارا كي يفعلوا بها ما يريدون؟ أم أن حريتهم بخصوص التصرف فيها حرية محدودة مقيدة؟
ينبغي أن نفهم – ونحن مسلمون – أن البركات كلها في الحقيقة لله وحده. وأننا فيها مستخلفون.. كانت عقارات أو حقولا أو أنعاما أو معادن أو تجارات. أو كانت مصانع وأوراشا تغطي ميادين مختلفة بعضها يخص البناء، وبعضها يخص الصناعة النحاسية أو الحديدية. إلى آخره. أو كانت علوما وقدرات عقلية وروحية. مجالها الإفتاء والشرح، والبحث والتمحيص. والتحليل والتركيب. كان أصحابها فقهاء في الدين. أو كانوا أطباء وصيادلة، أو كانوا مؤرخين أو مهندسين. ما داموا جميعهم يتصفون بصفتي: "الإخلاص" و"الصواب".
وبما أن البركات جميعها لله ومنه وإليه. وبما أنه لم يخلقنا عبثا كما أخبرنا في الكتاب المبين بهذه الحقيقة. وإنما خلقنا لنعبده. فإنه كذلك لم يخلقنا وتركنا لأنفسنا بدون ما عناية. ومن هنا خاطبنا بقوله: "أيحسب الإنسان أن يترك سدى". يعني أن يهمل "فلا يؤمر ولا ينهى".
ومن منطلق الأمر والنهي الإلهيين – وهما مبدءان من مبادئ الدين – نفهم كيف أن تصرفنا في بركاتنا بنوعيها المذكورين، تصرف محدود مقيد، تضبطه نصوص نقلية من آيات قرآنية ومن أحاديث نبوية.
فإنفاق الأموال والتصرف في الثروات، يراعى فيهما التكافل والتعاضد كواجبات مفروضة على كل مسلم، وعلى الميسورين خاصة. بحيث إنه سبحانه وجههم إليهما حتى لا يصل اختلال التوازن المادي والمعنوي في المجتمع المسلم بين الفقراء والأغنياء إلى أقصى مداه. نتحدث هنا مثلا عن الصدقات الواجبة. وعن المندوب إليها من باب المداومة على فعل الطاعات التي لا يمكن حصرها في عمل واحد صالح. فإن دفع أحد الأثرياء ما عليه من زكاة، فإنه يشارك غيره من إخوته في دفع زكاة الفطر كصدقة واجبة، دون أن يكف عن العطاء في السر والعلن حتى يكون قدوة لغيره. هذا إن هو راغب في كسب مزيد من البركة، وإن هو راغب في التمسك بسنة المختار التي تزخر بالإكثار من النوافل أو بالإكثار من الطاعات التي تبارك كلها الأعمال والحسنات. إذ لا يمكننا التقليل من أهمية المواساة، وعيادة المرضى، ومساندة المظلومين، وإماطة الأذى عن الطريق، ورفع الصوت لاستنكار المناكر، وإغاثة المنكوبين، وتوجيه الناس إلى فعل الخير، والتدخل لإصلاح ذات البين. وعدم كتمان ما ورد في الكتاب المبين. وتقريع من عرفوه ثم سكتوا عن نشره. وعدم التغاضي عن نشر ما ورد في سنة سيد الناس، إلى حد أن المؤمن الملتزم بدينه لن يكون وقته فارغا أبدا. إنه باستمرار ذاكر لربه، تأسيا بخير العباد في هديه، إذ كان "أكمل الخلق ذكرا لله عز وجل. بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه. وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه لله". أي أنه – كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها – كان ذاكرا لله في كل أحيانه وعلى جميع أحواله.
مما يتضح لنا معه كيف أن المسلم بأعماله الصالحة المتواصلة يجني من البركات ما لا يحصي قدره إلا الحق سبحانه. والبركات هنا مقصود بها الحسنات التي تتضاعف أعدادها ممثلة فيما يكسبه المؤمن من ثواب أو من أجر، جزاء له على استقامته وتقواه وإخلاصه وصدقه وتسننه. وكلما كثرت حسناته، لحسن أدائه لما عليه وزيادة، كان ذا بركة، بغض النظر عن موقعه من الجماعة التي ينتمي إليها، نقصد في حيه أو في قريته، أو في مدينته، بل وفي موقعه من بلده. وذلك لأن البركة ليست حكرا على أحد. فكما أن الناس سواسية كأسنان المشط، لا يتفاضلون إلا بالتقوى والعمل الصالح، فإنه تعالى يمنحها للعالم، وللفلاح، وللجزار، وللتاجر، وللإسكافي وللنجار، وللطبيب، ولعامل يكد للحصول على لقمة عيشه وعيش من يعولهم من أفراد أسرته. مما يؤكد لنا أن البركة يتوفر عليها غير العلماء، وأنها لا تنحصر في هؤلاء، وفي الأئمة، والموصوفين بأولياء الله، وشيوخ الطرق ومريديهم المعروفين عندنا بالفقراء أو الدراويش باللغة الفارسية. إذ كل ادعاء من هذا القبيل – نقصد حصر البركة في جماعة بعينها – إصرار من أصحابه على تضييق مجالات رحمة الله التي وسعت كل شيء. يكفي أن يتصف عمل المؤمن – كما تقدم – بصفتين اثنتين متلازمتين، لتتدفق عليه الحسنات مباركة من المهد إلى اللحد. ونقصد بالصفتين كلا من "الإخلاص" و"الصواب".
فإن كان الإخلاص هو الوفاء في الحب والطاعة: حب الله وطاعته بالوقوف عند حدود أمره ونهيه. فإن الصواب، هو التعبير المزدوج عن الحب والطاعة كليهما. خاصة وأن طاعة الله من طاعة مجتباه. وطاعة مجتباه من طاعة ربه. وأن حب الله من حب نبيه. وحب نبيه من حبه عز وجل. يعني أن حب الله لعبد من عبيده مشروط بحب هذا العبد لرسوله. وحب الرسول هو الاقتداء به، أو هو اتباع سنته. واتباع سنته هو عين "الصواب" الذي يقتضيه "الإخلاص".
وإلا ما استفاد المؤمن من أي عمل تعبدي متى أحكم الرياء قبضته عليه! ومتى سلك دروبا لم يسلكها المختار، لا بأقواله ولا بأفعاله ولا بتقريراته! إذ عندها يكون مفتقرا إلى الصواب الذي يقابله الخطأ. والخطأ هنا لم يكن غير البدع والضلالات.
فعندما يقول الحق سبحانه: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا". فإن المخاطبين بهاتين الآيتين في سورة الكهف لا يعرفون إلا بعلامتين: إخلاصهم له عز وجل، وحرصهم على الاقتداء بسيد الناس وحده لا بغيره، مما يقوي قناعتنا بأن الصالحات التي يبارك فيها باستمرار، لا يتم كسبها إلا بوسيلتين مشروعتين ملزمتين ذكرناهما منذ حين: "الإخلاص" و"الصواب". أما إن فقدت الأولى، أو فقدت الثانية، أو فقدتا معا في الآن ذاته، فلا حديث حينها عن الصالحات التي تضمن الخلود في الفردوس لأصحابها. كما أنه لا حديث عن البركات التي تجيء وراء إتقان العمل الديني المطلوب.
فإن صح خضوع البركات المادية لأمر الله ونهييه، صح كذلك خضوع البركات المعنوية لأمره ونهيه. وبما أن العلم نعم، وبركات، ومنح إلهية، فقد اتضح لنا – ولو باختصار – كيفية التصرف فيها إن كانت مادية. أما إن كانت معنوية فإن المطلوب أولا وقبل كل شيء هو الجود بها على قدر الإمكان. والجود بها هو إفادة الأقربين والأبعدين بها، كي تزكو بمزيد من الأجر الذي يحصل عليه السخي الكريم لا شك. فنشر العلم نشر للبركة (= إفادة المتلقي بمزيد منه). والتوجيه التربوي نشر للبركة. وممارسة الأخلاق الدينية في السر والعلن باب لتلقي مزيد من البركة. وتقليد نشر البركة واكتسابها، تقليد معروف تعلمناه من المختار لا من غيره، إنه كان يعلم صحبه الكرام كل شيء. ومن جملة ما تعلموه منه، كيفية التعليم ذاتها، فأصبحوا بعده هداة مهديين راشدين. يعني أنهم معلمين موجهين واعظين ناصحين. ولم يقل أحد منهم قط: إن بركاتي تتدفق سيالة على قلوب من أرشدهم إلى سواء السبيل! وإنما أنهضهم كي يواظبوا على طلب العلم الذي يقتضي التعب والترحال والحفظ والتقييد والمراجعة. تكفي الإشارة هنا إلى المجهودات المشكورة التي بذلها كبار المحدثين للدب عن حديث سيد المرسلين، وهم يجمعونه في الإقامة وفي الظعن، استجابة منهم لنداء الله ولنداء نبيه في قلوبهم المشبعة بالإيمان واليقين. فكان أن مدهم الله بالتوفيق والبركة. ثم ظهر لاحقا من يرغبون في الحصول على بركة غيرهم بالمجان! فهل فعلا يمكن نقل البركة بالمعنى الصوفي الظلامي المتقدم من حي إلى حي؟ ومن حي إلى ميت؟ ومن ميت إلى حي؟ أم إن نقلها بهذه الكيفيات كلها بدع لا أصل لها ولا فصل؟

الحلقة العاشرة

لو سلمنا جدلا بأن البركة عبارة عن قوة سيالة متدفقة تدفق الماء من النبع، بحيث إنها تسري من شيوخ إلى مريدين! أو من صالحين أحياء كانوا أو أمواتا إلى طلابها، فكيف تسري إلى من تسري إليهم أولا وأصحابها على قيد الحياة؟ ثم كيف تسري إلى من تسري إليهم ثانيا وأصحابها مقبورون على أضرحتهم قباب تمييزا لهم عن بقية الموتى من المسلمين؟ ثم كيف نتأكد من كونها بالفعل قد سرت ثالثا من مرشد إلى مسترشد صوفي بعينه، كان هذا المرشد من الأحياء أو أصبح رقما ضمن أرقام لائحة المتوفين؟
فإن كان العباس بن المختار البودشيشي – على سبيل المثال – شيخا لولده حمزة، فكيف سرت بركته منه إليه؟ وما الدليل على أنها سرت منه إليه على وجه اليقين؟
وإن كان نفس الرجل شيخا لعبد السلام ياسين. فهل سرت منه البركة إليه، كما سرت منه إلى ولده قبل رحيله سنة 1972م. ولو لم يدرك بعد ياسين حينئذ رشده الصوفي! بدليل أن شيخه أمره بملازمة ابنه وخليفته حمزة كشيخ وارث لسر والده؟ أم إن السر سوف يسري إلى ياسين من حمزة الذي تكفل – نيابة عن والده – بتربيته وتعليمه ومده بالبركة التي لا يستطيع بدونها أن يتحول في يوم من الأيام إلى شيخ أو إلى مرشد؟ إذ المحروم من بركة شيخه ومن رضاه غير مؤهل أبدا لمنح بركته لأي مريد من مريديه ولو قامت القيامة! كما تخبرنا الثقافة الطرقية الصوفية بهذه القناعة؟ ثم كيف يصبح المحروم من بركة شيخه وولي نعمته مرشدا من جهة. وكيف له بمنحها لمريديه المفترضين من جهة ثانية؟ وإلا فهل فاقد الشيء قادر على إفادة غيره به؟ مما يعني أن البركة ضرورية لأي مريد أو لأي مسترشد. إنها بمثابة شهادة تمكن حاملها من خوض تجربة توجيه الخلق إلى الحق؟
ونذكر أن ياسين كان يرتدي لثلاث سنوات كاملة (1972م-1975م) عباءة شيخه حمزة وعمامته، باعتراف من حمزة نفسه وباعتراف من ياسين نفسه حين يقول: "وأذكر نعمة الله علي (أية نعمة؟) في الملإ لأنه وهبني بعد وفاة شيخي (= العباس) منذ ثلاث سنوات ما يقصده المريدون من الصحبة (وماذا يقصدون منها؟). وكان رحمه الله أوصاني قبل وفاته أن ألزم ابنه وخلفه من بعده فلزمت (= نعم ما فعلت!). وعاصرت منذ تسع سنوات نشأة الانحراف عند الصوفية الصادقين إخواني (= وعلى رأسهم شيخك حمزة!). وعرفت بذلك كيف يدخل إلى أصحاب الزوايا حب الدنيا وكراهية الموت"!
مما يعني بلغة الطرقيين أن ياسين خرج من صفوف إخوانه البودشيشيين خالي الوفاض! ولو ادعى أنه خرج وفي حوزته – كما قال – ما يطلبه المريدون من الصحبةّ، إنه الرضى والبركة مجسدة في الحقيقة التي لا توجد – كما يدعي – لدى غير الصوفية!
فلو اقتنع شيخه العباس بأنه أدرك نضجه الطرقي وأصبح مؤهلا لاستقبال الأسرار والعلوم اللدنية متوجة بالبركة التي من المفروض أن يغدقها عليه، لمكنه من إذن مكتوب يعلن فيه رضاه عنه، وأهليته لتحمل مسؤولية المربي الصوفي الذي يتقن كيفية توجيه مريديه إلى عملتي التخلي والتحلي، كعنوان للتصوف الأخلاقي في البداية، وكعنوان لما يقتضيه في النهاية تصوف الحقائق من خطوات، بدونها لن تتأتى له هو شخصيا قبل أتباعه فرص الكشف والاطلاع أو المشاهدة كما توفرت للغزالي الذي عبر عنها في "إحياء علوم الدين". مما حمل فقهاء المغرب والأندلس على إحراقه كاستنكار منهم لما ورد فيه من مقالات شاذة عن الإسلام ومتناقضة معه!
وبما أن القطيعة حاصلة بين ياسين وبين شيخه حمزة، فقد بتنا مقتنعين بأنه لم يتلق الرضى والبركة والأسرار من شيخيه كليهما! مما يدل على أنه في الحقيقة لا شيخ له. وفي مثله يقول ابن عطاء الله السكندري في "لطائف المنن": "من لم يكن له أستاذ (= شيخ) يصله بسلسة الأتباع، ويكشف له عن قلبه القناع، فهو في هذا لقيط لا أب له! دعي لا نسب له!" ثم يقول: "من أخذ الطريق على غير شيخه، كان على غير دين"!!!
وقال عبد الوهاب الشعراني في"الأنوار القدسية": "من شأن المريد أن لا يقول لشيخه قط: لم؟ فقد أجمع الأشياخ على أن كل مريد قال لشيخه لم؟ لا يفلح في الطريق"!
وبما أن ياسين لم ينضج صوفيا – كما قلنا قبله – مما جعل شيخه الأول يحيله على ابنه وخليفته كي يرعاه ويوجهه ويرشده ويباركه تدريجيا إلى حين استكماله لنضجه. وبما أنه خاصمه وفارقه إذ قال له بكل وضوح: "لم"! كما هو بين من كلامه المتقدم، فإنه إذن لا شيخ له! ومن لا شيخ له في الطريق – يقول ابن عطاء الله – فهو "لقيط لا أب له! دعي لا نسب له"! بل إن من ابتكر طريقة صوفية من عنده أو أخذها "على غير شيخه كان على غير دين"! وهذا بالتأكيد ليس من كلامنا. فعن أي شيخ إذن أخذ ياسين طريقته الصوفية التي وظفها على أتباعه؟ إنه لم يأخذها من شيخيه المذكورين لغياب ثلاثة شروط ضرورية هي: نيل رضاهما وبركتهما وإذنهما!
هذا كله إن نحن قبلنا بالمفهوم الصوفي الضلالي المبتدع للبركة. أما ونحن بمفهومها كما ورد في الكتاب والسنة مرتبطون، فمن حقنا أن نتساءل عن إمكان انتقالها من شخص إلى آخر، إذ لدينا أكثر من دليل على أن لكل مسلم نصيبه منها. والكلام هنا عن المعنوية أو الروحية لا عن المادية المجسمة في الواقع كثروات بكافة أنواعها وأشكالها؟ كيف تمر المعنوية منها إذن إلى الأغيار كي ينتفعوا بها؟ هل تمر كما تمر بمعناها الضلالي؟ أم إنها تمر بكيفيات يقبلها منطق الدين، ومنطق الواقع، ومنطق العادة أو التجربة؟
إن مرورها أو استفادة المحتاج إليها منها، يتم بطرق متعددة، من بينها هذه التي نقدمها موجزين:
1- شيخ مدرس عالم يمد طلابه كتابيا أو شفاهيا بما من الله عليه من بركاته، نقصد من مقدار علمه الغزير، أو من تفقهه في الدين. خاصة وأن المعارف عبارة عن مصابيح منيرة وضاءة، إن خلت منها الأذهان، ضعفت قدرة أصحاب هذه الأذهان عن الفهم والتقصي والوقوف على حقائق الأشياء، إلا أنه كلما تضاعف عدد المصابيح في الأذهان (وتضاعفها بركة)، أصبح أصحابها مؤهلين للاشتراك في التوجيه والتدريس والنصح والإرشاد.
2- الإكثار من قراءة مؤلفات العلماء والفقهاء والمحدثين والمفسرين والأصوليين، وإن لم يحصل شرف مقابلتهم لأي قارئ لما كتبوه أو ألفوه. إذ أنهم لا شك سوف يضيفون إلى ما اشتعل في أذهانهم من مصابيح مصابيح غيرها كبركة هي زيادة وكثرة ووفرة.
3- دعاء الشيخ أو المربي أو أي كان لأخيه المسلم في المقام أو في الترحال. فقد يستغفر المسلم لأخيه وقد يدعو له بالبركة، نقصد الزيادة في رزقه أو الزيادة في علمه، أو في تحسين أخلاقه. وقد تقدم أن نبينا عليه السلام قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا..." الحديث.
4- كما يدعو الأحياء للأحياء، يدعو الأحياء للأموات، والعكس مردود لنصوص نقلية من جملتها قول الرسول ص: "اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج". الحديث. مما يدل على أن الميت في حاجة إلى دعاء الأحياء له. خاصة وأن كتابه أو سجله لن تضاف إليه أية بركة إلا في الحالات التي ذكرها المختار بقوله: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له". ومع ذلك يصر المبتدعون على أن بعض الموتى ينفعون الأحياء! تماما كما كانوا ينفعونهم في الدنيا! وتساؤلنا الملح هنا هو: إلى أي حد تصبح عنده هذه المقولة مقبولة؟ نقصد نفع الميت لآلاف الزوار المتهافتين على ضريحه تهافت الذباب على الطعام؟ وما الدليل النقلي والعقلي والتجريبي على صحة هذا الضلال المبين؟

الحلقة الحادية عشرة

لقد اقتنعنا – ومعنا حججنا – بأن البركة تسري من المبارك الحي إلى المبارك له الحي مثله عن طريق الدعاء وتلقي العلم وقراءة المؤلفات . واقتنعنا بأنها تسري من المبارك الحي إلى المبارك له الميت عن طريق الدعاء وحده.
ثم اقتنعنا بأنها تصل إلى الميت عن طريق وقف وقفه كصدقة للفقراء والمساكين وأبناء السبيل. وعن طريق ما تركه من علوم يستفيد منها طلاب العلم والمعرفة. ثم عن طريق دعاء ولده له بشرط أن يكون هذا الولد من الصالحين.
أما إذا لم يقف الميت وقفا، ولا خلف علما ، ولا ولدا صالحا. فإن كتابه أو سجله الذي طوي بوفاته بكل ما فيه من حسنات ومن سيئات. سوف لن يطرأ عليه أي تغيير يذكر - حسب ظاهر الشرع - إلا حين يدعو له أحد المؤمنين من أقاربه أو من غير أقاربه بالرحمة والغفران. إنما على أساس أن يقبل الله دعاء من دعا له. إذ ليس كل من دعا لغيره يستجاب له!
وها هنا الإشكال الذي علينا مناقشته. نقصد على وجه التحديد ما يمكن إدراكه في الآتي:
1- ما مراد قوله سبحانه في سورة الذاريات: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون"؟
2- ما مراده من قوله في سورة الحشر: "ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون"؟
3- وما الذي يعنيه قوله تعالى في سورة المدثر: "كل نفس بما كسبت رهينة"؟
لنكون مقتنعين أولا بأنه عز وجل لم يخلق الجن، ولم يخلقنا نحن البشر إلا لكي نعبده ونوحده في الشدة والرخاء. والعبادة تعني الطاعة. والطاعة تعني الامتثال لأوامره. والامتثال لنواهيه.
ونفهم ثانيا ما يعنيه أن ينهرنا بشدة لأننا نسيناه بترك شكره وتعظيمه وتملقه والاستغاثة به، إذ لو تمادينا في نسيان حقه علينا، لأنسانا بالمقابل حق أنفسنا، فنصبح حينها من الفاسقين، مع التنبيه إلى أن الفسوق هو الخروج عن طاعته. والفسوق بكافة صوره وبكافة تجلياته، إعلان صريح عن الزندقة التي تلقي بأصحابها في أتون ساخن من جحيم ليس له قاع وليس له قرار!
وندرك ثالثا كيف أن كل نفس مرتهنة بكسبها، مأخوذة بعملها الذي يخلصها أو يوبقها، أي يهلكها. بحيث إن تخليصها هو نجاتها. في حين أن إيباقها هو معاقبتها. يتعلق الأمر هنا بما يكسبه المؤمن من الحسنات، وبما يكسبه من السيئات.
إن الإنسان إذن ما خلق إلا ليعبد خالقه. وعندما يواظب على عبادته يجازيه عن أقواله وعن أفعاله. وكل قول من أقواله، وكل فعل من أفعاله، إما أن يقربه منه، وإما أن يبعده عنه. بحيث يكون القرب منه سعادة. وبحيث يكون البعد عنه شقاوة. إلى حد أنه بإخلاصه وبصدقه وباستقامته تستجاب دعواته. وإلى حد أنه بريائه وبكذبه،، وحتى بتلكؤه في أداء الأعمال التعبدية، وكأنه يستثقلها، ربما لن تستجاب دعواته.
إنها إذن خطوط عريضة تفتح أمامنا أبواب التمييز – في الظاهر لا في الباطن – بين من تستجاب دعواتهم بإذن ربهم القائل: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب. أجيب دعوة الداعي إذا دعان". وبين من لا تستجاب دعواتهم بنفس الإذن، أو بنفس الإرادة والمشيئة. خاصة وأنهم لم تتحقق فيهم بقية مراد الله في الآية إذ يقول: "فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون"! يعني كما يقول مجاهد بن جبر: "فليجيبوا إلي فيما دعوتهم إليه من الإيمان . أي في الطاعة والعمل". أما من انتفى عنه هذان الشرطان، فعليه أن لا يتوقع من الله الإجابة قبل توبة نصوح يعلنها ويلتزم بها. وهذا بين من قوله ص: "الرجل يطيل السفر. أشعث أغبر. يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام. وغذي بالحرام. فأنى يستجاب له". وكيف به إن هو أصبح واحدا من المروجين للضلال. غارقا في الابتداع. ومتلونا في الافتراء على الله وعلى الرسول وعلى المؤمنين بكل ما يقوله، وبكل ما يفعله، وبكل ما يدعو إليه!
فبماذا إذن نميز بين الفاضل الصادق. وبين الشراني الرائي الكذاب. إن لم نميزه بالآيات وبالحديث النبوي الذي سقناه للتو؟ كيف نعرف الأول وكيف نعرف الثاني لما لمعرفتنا بهما من نفع قد يكون هو الإقبال على الخير. وقد يكون هو الابتعاد عن الشر. إذ الإقبال على الخير، والخير والخيرون فضيلة، في حين أن الإقبال على الشر، والشر والشرانيون رذيلة؟
نعرف الفضلاء المتدينين المخلصين بصفتين ذكرهما الزاهد: الفضيل بن عياض. وعنه أخذناهما: نقصد "الإخلاص" و"الصواب". بينما نعرف الشرانيين ب"الرياء" و"الابتداع". فمن تأكد لنا إخلاصه وصوابه وقرناه واحترمناه وقصدناه وطلبنا منه الدعاء والبركة. نقصد ما ننمي به معارفنا الدينية كي تزداد من حيث الكم ومن حيث الكيف. أما من تأكد لنا ضعف دينه إلى حد تمسكه بدنب ضلالة كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فإننا لن نوقره ولن نحترمه ولن نزوره ولن نأويه في منازلنا اقتداء بالمختار الذي نهانا عن إيواء مبتدعين ضالين مضلين.
وكبرهان على صحة ما ندعيه، قوله ص: "لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي".
وعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قوله: "استأذنت النبي ص في العمرة فإذن لي وقال: "لا تنسنا يا أخي من دعائك"! فقال: كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا! وفي رواية: "أشركنا يا أخي في دعائك".
وعن عمر كذلك قوله: سمعت رسول الله ص يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس, وله والدة. وكان به بياض. فمن لقيه منكم فليستغفر لكم".
نتساءل الآن – وقد قدمنا من الآيات ومن الأحاديث ما يعزز مفهومنا للبركة كتابا وسنة – فنقول: إن نحن خرجنا من النظري إلى التطبيقي – العملي فما الذي نجده؟
1- نجد مؤمنين أتقياء "مخلصين– صائبين". كانوا علماء أوفقهاء أو زهاد أو محدثين. أو كانوا عامة الناس.
2- وقد نجد مبتدعين ضلاليين، بعتبرون أنفسهم ويعتبرهم المخدوعون بهم من أولياء الله الصالحين ومن أحباء الله المقربين.
3- وقد نجد متظاهرين بالصلاح، أهدافهم الدنيئة لا صلة لها بالدين. حيث إننا نتمكن من الاطلاع على حقيقتهم بعد حين من إغوائهم إو من إغرائهم لنا على حد سواء!
4- وقد نجد متظاهرين بالصلاح دون أن يتم لنا كشف عوارهم وهم بيننا أحياء. ودون أن يتم لنا كشفه وأضرحتهم مبنية، والقباب عليها مرفوعة مشيدة!
5- وقد نجد أمثالهم حين اطلاعنا على حقيقتهم بعد وفاتهم بقرن أو بقرنين أو حتى بقرون.
يعني أن لدينا خمسة أصناف ممن نسعى إلى الحصول على بركتهم في حالتي الحياة والممات! أو في الحالة الأولى دون الثانية. أو في الحالة الثانية دون الأولى. إذ لا يعقل أن نكون قد عاصرنا كل ذي ضريح وكل ذي قبة! كما أنه لا يعقل أن نكون قد عاصرنا جميع العلماء والزهاد والصالحين من أمة محمد ص.
وكاستجلاء لما يحيط بهذا التقسيم الذي يلزمنا شرحه، نترك لسيد الناس نيابة عنا تولي بيانه حين يقول: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك: إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك. وإما أن تجد منه ريحا منثنة!

الحلقة الثانية عشرة و الأخيرة

إن الفئة الأولى من المؤمنين الذين اعتبرناهم متصفين بصفتي "الإخلاص" و"الصواب"، هم الجلساء الصالحون بصيغة الجميع في الحديث النبوي المتقدم. والصالحون هم المتسمون بالبر والخير، والإحسان والاستقامة، بدليل قوله عز وجل: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم. ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين". فضلا عن كون الصالحين عادلين، سائرين على طريق الهدى والفضيلة والنور. من جالسهم فكأنه جالس حامل المسك. وحامل المسك يفيد لا شك جليسه بحكم العادة أو بحكم التجربة. وحتى بحكم العقل. فإما أن يقدم له بدون مقابل بعضا مما لديه منه. وإما أن يشتري منه المقدار الذي يريده، وإما أن يكتفي برائحته الزكية التي يستنشقها وهو سعيد فرحان، ومبتهج جدلان.
وتشبيه سيد الناس لما لدى الجلساء الصالحين بالمسك وسيلة من وسائل الإيضاح التعليمية المعروفة عنه أولا. ومثل من أمثال الحكم التي تفيض بها أحاديثه ثانيا. وتعبير مجازي عما يحملونه من علم وعما يتحلون به من فضائل ثالثا.
فمن قصدهم وزارهم ووقرهم وقدر مكانتهم، لن يعود من وفوده عليهم وهو يجر أذيال الخيبة كما يقال، وإنما يعود وقد حاز من البركات ما أمكن له أن يحوزه على قدر نيته، وعلى قدر عقله، وعلى قدر استيعابه وانتباهه ومستوى حافظته. والبركات هنا هي ما استفاده من علم المزور، ومن حكمه، ومن مواعظه، ومن دعائه. فيكون مجموع ما عاد به من عنده بلسان النبي الفصيح، قدرا من المسك الأظفر الذي لا يقدر بثمن. وما حصل عليه بعبارة أخرى إضافة أو زيادة على ما كان عنده منه. والزيادة بركة. والعلماء الفضلاء المستقيمون الورعون نبع ثري للبركات بالمفهوم السني. لا بالمفهوم الضلالي المبتدع!
أما الفئة الثانية، فجماعات من أدعياء الصلاح الذين تتألف منهم طوائف مختلفة، أو متقاربة من حيث القناعات النظرية والممارسات التعبدية. بحيث إننا نجد على رأسها شيوخا مؤسسين للطرق الصوفية، وشيوخا خلفاء لهؤلاء المؤسسين بعد انتقالهم إلى العالم الآخر. ولنقل صراحة بأننا نقصد كل من أحدث "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية. يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" كما ورد عند الإمام الشاطبي في الاعتصام.
والمحدثون لطرق مبتكرة في العبادة ذمهم الله ورسوله. إذ أنهم بفعلتهم النكراء يلقون وراءهم ظهريا قوله عز وجل: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا". فكأن لسان حالهم يقول: "إن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها، لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه، لم يبتدع ولا استدرك عليها، وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم".
قال ابن الماجشون: "سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا ص خان الرسالة".
وحتى لا نطيل الكلام للتدليل على أن الطرق الصوفية جميعها ضالة مضلة. فلننصف المتصوفة الرواد الذين لم يؤسسوا فرقا هم شيوخها ومرشدوها الموزعون لما لهم من بركات على الأتباع. وعلى غير الأتباع من الذين يقصدونهم للتبرك مقابل فتوح مالية وغير مالية. فالتوغل في الظلام الصوفي لا نجده مثلا عند السري السقطي, ولا لدى الحارث بن أسد المحاسبي، ولا عند أبي طالب المكي، ولا حتى عند الجنيد كما يعرفه المغاربة! مما يؤكد لنا كيف أن التصوف الذي يجعل الزهد مرادفا له – وهو التصوف الحقيقي الذي شغف به الزهاد الأوائل – قد ذهب إلى غير رجعة! أما التصوف الطرقي بالتحديد منذ ظهوره حتى الآن لا يصح - وعلى ذمتي – وصفه أبدا بكونه سنيا لا على وجه الإطلاق! ولا على وجه التقييد!
والنتيجة أن الطرقيين على طوال البلاد وعرضها،، كانوا شيوخا أو كانوا مريدين، لا بركة عندهم يقدمونها لمن طلبها منهم في الماضي والحاضر والمستقبل. خاصة وأن البركة عندهم شيء سيال متنقل من شخص إلى آخر بطريقة ظلامية! إضافة إلى أن جل ما يفيدون به قصادهم مجرد ضلالات في ضلالات خاصة متى تم التركيز فيها على ادعاءات مثل رؤية المختار ص في اليقظة! والأخذ عنه! ومثل قراءة ما في الضمائر! وقراءة ما في اللوح المحفوظ!بغض النظر عما يشتغلون به من بدع العبادات!
أما الفئة الثالثة التي تتجسد فيمن يتظاهرون بالصلاح،، فلا بركة عندهم نبحث عنها لإثراء معارفنا في الفقه والحديث والتفسير وعلوم القرآن. وجزى الله خير الجزاء العلامة الحسن اليوسي الذي فضح بعضا ممن تظاهروا بالصلاح على عهده! ثم جزاه الله خير الجزاء لأنه نبهنا إلى خطر الاغترار بمن يرتدون لباس الفقر والتقوى والورع،، وهم يحملون بين جنبيهم جرثومة الإفساد والإضلال!
أما الفئة الرابعة، فتتشكل من متظاهرين كذلك بالصلاح. إنما دون أن نتمكن من كشف عوارهم وهم أحياء، بحيث ترتبط بهم البركة المزعومة إلى جانب كرامات نسجها حولهم الأتباع جريا - في الغالب - وراء المردود المادي! ترتبط بهم هذه وتلك بعد رقودهم الطويل في أضرحة من تشييد المبتدعين. هذه التي تتحول إلى مزارات يحضر الزوار إليها لقضاء ما يشغل بالهم من مآرب لا يقضيها غيره عز وجل. وهم في الواقع إنما يتحاورون حوار الصم والبكم مع مجهول!
وعندما نصل إلى الفئة الخامسة نكون قد وصلنا إلى جماعة من الصالحين الذين دأب الأغمار وأشباه العلماء وأشباه المثقفين على إحاطتهم بمزيد من التقديس،، لا لأنهم ينتمون إلى الطوائف الصوفية التي تنتمي إليها عناصر هذه الجماعة فحسب، وإنما كذلك – من باب التقليد الأعمى– تعودت الاحتفاء في مناسبات عدة بهؤلاء الصالحين المفترضين الذين لبعضهم بالفعل تاريخ ، لأنهم من نسيج الواقع التاريخي، في حين أن بعضهم من نسج الخيال في فترات تاريخية ملفوفة بالظلام الذي يتحرك فيه اللصوص بعيدا عن الضياء والنور! نقصد أولا متصوفين طرقيين معروفة لنا تراجمهم في أكثر من مؤلف. ونقصد ثانيا صلحاء وهميين لا وجود لهم في الواقع. فالمعروفون مثلا بسبعة رجال مراكش، وإن حشر من بينهم القاضي عياض المتسنن. أما الباقون – بدءا بأبي العباس السبتي وبما حيك حوله – فلا صحة إطلاقا بأنهم مخلصون صائبون! ونخص بالذكر هنا أتباع محمد بن سليمان الجزولي وطريقته وقناعاته! في حين أننا نقصد بالصلحاء الوهميين سبعة رجال رجراجة الذين هم من الصحب الكرام البررة الأمازيغ على حد زعم رواية المفترين. إذ لدينا من الأدلة التاريخية ما يكفي لاستئصال هذا الذي نصفه بالورم الخبيث من ذاكرة الأمة المغربية المسلمة الواعية! فضلا عن امتلاكنا لأدلة قرآنية وحديثية نفضح بها أكثر من ضلالي تقام اليوم على أضرحتهم المواسم! بغض النظر عن التبرك بهم كما يفعل الرعاع وغير الرعاع ممن امتلأت عقولهم بالتاريخ والجغرافيا والأدب وحتى الفلسفة! فلنحصر إذن حملة البركة في الفئة الأولى دون غيرها. أما بقية الفئات وهي أربعة، فليس لديها بركة! لا بمعناها القدحي الظلامي! ولا بمعناها المستساغ كتابا وسنة!