في عددها الصادر بتاريخ 20-2-2009م. نشرت جريدة "المساء" المغربية المستقلة مداخلات متنوعة على إثر صدور خريطة التدين عبر العالم عن معهد "غالوب" الأمريكي.
ومنت حينها قد تناولت بشيء من التفصيل تلك المداخلات التي استنتجت من خلالها تأييدا مطلقا لما ورد في الخريطة تلك. وكأن الذين أدلوا برأيهم في الموضوع الذي يبدو أن الجريدة قد فتحته للنقاش عن قصد، أجمعوا أمرهم على تقديم مختلف الأدلة – كل في مجال اختصاصه – لدعم النتائج التي وصل إليها "معهد غالوب" بخصوص الرتب التي تحتلها كل دولة إسلامية على حدة في التدين.
ويمكن باختصار شديد تحديد ما تم تناوله من طرف المتدخلين في الآتي:
1- امتداح معهد "غالوب" و الإشادة، أو التنويه به!
2- الممارسة الدينية عند المغاربة أقرب إلى الاعتدال منها إلى التطرف والتعصب!
3- تدين المغاربة بين السياسة والرياضة!
4- المتدينون يندمجون في الحداثة وإن لم يدركوا هذا الاندماج!
5- من يؤطر المغاربة دينيا كسؤال مطروح يقتضي إجابة أو إجابات عليه!
6- تدين السياسيين والرياضيين يأتي للتخفيف من الضغوط النفسية!
ونشير هنا إلى أن الرد الذي سوف نتقدم به على الوارد في "المساء" المغربية. عدد 753. بتاريخ 20/2/2009م. لن يكون ردا خاصا موجها إلى شخص واحد بعينه كمشارك في تناول الموضوع. بحيث نقف عند رأيه وحده، دون أن نتجاوزه إلى رأي غيره. بل إننا سننظر إلى الموضوع المدروس كوحدة. هدفها أولا – وإن لم تكن متناغمة منسجمة – هو التسليم أو الإقرار بأن إحصاء "غالوب" قد أصاب كبد الحقيقة! وأن المغاربة في التدين يحتلون الرتبة التي وضعهم فيها عن جدارة واستحقاق! وهي الرتبة الثالثة بعد كل من مصر (الأولى) وبنغلاديش (الثانية). وهدفها ثانيا توجيه ضربات لازبة إلى الدعويين المتشككين في كون معظم المغاربة متدينين! وهدفها ثالثا امتداح سافر للجهات المؤطرة للشأن الديني في البلد! ووراء هذه الأهداف كلها مجتمعة أو متفرقة، إشارة إلى التلاحم القائم، أو إلى التلاحم الذي ينبغي أن يقوى ويتعزز بين أطراف في معسكر. دوره الآن مرحليا - والأحداث الدينية ساخنة على الساحة السياسية المغربية والدولية هو وضع سدود أو عوائق أمام العاقين الذين يمثلون الطرف "الخصم"! والذين لم يكفوا عن الطعن – منذ عدة عقود – في الوضع الديني بالمغرب، إن على المستوى الشعبي، وإن على المستوى الرسمي!
وهكذا نتناول تباعا ثلاثة عناصر من العناصر الست المعروضة قبله. بحيث إننا سوف نقف أولا عند إحصاء "معهد غالوب" ونقف ثانيا عند ما أنجزه الثالوث المغربي الباحث: محمد الطوزي. ومحمد العيادي. وحسن رشيق بخصوص التدين لدينا في بلدنا. ثم نقف ثالثا عند من يفترض أنهم يؤطرون دينيا جميع المغاربة.
أولا: إحصاء "معهد غالوب":
عندما نتساءل عن الإحصاء ما هو؟ نجد أمامنا إجابتين: إنه في اللغة هو العد على سبيل الإجمال. كإحصاء سكان بلد ما. وكإحصاء مواليده أو وفياته على مدى عقدين، أو على مدى سنة كاملة.
والإحصاء في الاصطلاح "علم يرتكز على تجميع الظواهر والوقائع والأشياء وتنسيقها على نحو يؤدي إلى علامات عددية ثابتة، تمكن الباحث من التكهن بالمستقبل".
مما يدل على أن الإحصاء – بهذا التعريف – منهج علمي منطقي. إنه استقراء يقوم على أساس تتبع أمر ما وتقصيه للوصول بشأنه إلى النتيجة. والنتيجة هنا هي إثبات الحكم للكل بواسطة ثبوته على أكثر أفراد هذا الكل.
فالقول بأن جميع المعادن تتمدد بالحرارة – كمقدمة كبرى في القياس المنطقي – حكم أفرزه المنهج الاستقرائي الذي تم فيه تتبع المفردات المندرجة في الكل الحامل لنفس صفات جزئياته. مما يعني أن الباحث المحصي لظاهرة التدين في العالم كله، أو في بلد بعينه كالمغرب. يعتمد على عينات، أو على جزئيات، عليها يقيم حكمه كنتيجة لاستقرائه. بحيث إنه يخرج من الخاص إلى العام. أو أنه – بعبارة أخرى – يحكم على الكل بما حكم به على الجزء.
فلو حدد المحصي الباحث الموضوعي المحايد مائة عينة لإجراء الاختبار عليها، كما يجري العالم التجريبي اختباراته على الفروض داخل المختبرات. ثم قام باختيارات عشوائية – وحتى باختيارات مقصودة – في وسط بعينه لتلك العينات. ثم انتهى من تتبعها، أو من استقرائها على مهله إلى نتيجة مؤداها أن 99 في المائة من المغاربة متدينون. بحيث إن المسألة هنا تقف عند هذا الحد. دون أن تتعداه – كإنجاز علمي رقمي محسوس – فإن لمنجزه بعد ذلك أن يحظى باحترام من اطلعوا على ما أنجزه. كما حظي به كل من "معهد غالوب" والثالوث الباحث المغربي المذكور منذ حين.
وبعد كل هذه التوضيحات التي نراها ضرورية، والتي هي عندنا بمثابة مقدمات أو تمهيدات، نطرح التساؤلات التالية:
هل نحن ملزمون بتصديق منجزات "غالوب" الإحصائية؟ أو هل نحن ملزمون بقبول استطلاعاته في مختلف القضايا الدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ وهل نقبل بالخصوص، ودون ما اعتراض، خريطته التي رسمها للتدين في العالم؟ وماذا وراء رسم هذه الخريطة من أهداف قد تكون خفية؟ ولأية جهة، أو لأية جهات تم رسمها؟ وما المقابل المادي الذي تلقاه من رسموها من تلك الجهة، أو من تلك الجهات المفترضة؟ وما الذي نستفيده نحن المغاربة بالذات، إن أصبحنا على يقين بأننا فعلا كمتدينين نحتل الدرجة الثالثة في الخريطة التي رسمها "معهد غالوب" الأمريكي مشكورا مأجورا؟ فهل تساعدنا الرتبة التي نحتلها دينيا على ردم الهوة الفاصلة بين المستغلين والبؤساء وآلاف من حملة الشهادات العاطلين عن العمل؟ وهل تغطي مكانتنا العالمية في التدين ما تعرفه بلدنا من غوص في "البغاء" و"الفقر" و"البطالة" و"الظلم" و"الاستغلال" حتى الأعماق؟
فلو نحن افترضنا أن "معهد غالوب" المتصف بالموضوعية وبالنزاهة فيما ينجزه! قام بقياس، أو باستقراء وتتبع كل من ظاهرة البطالة وظاهرة التسول، وظاهرة العهارة والتفسخ. وظاهرة الإدمان على الكحول والمخدرات في مختلف دول المعمور! ثم افترضنا أنه وضعنا في رتبة أسفر عنها عمله الاستقرائي، لكان قد قدم حينها للمسؤولين عندنا خدمة لا تقدر بثمن! إذ على أساسها سوف تتم مواجهة ما استفحل عندنا من الفساد الذي يشكل خطرا داهما على الأفراد والجماعات. ويوجه ضربات قاسية – بلغة الأصوليين – إلى الضرورات الخمس. نقصد حفظ الدين. وحفظ العقل. وحفظ الأعراض. وحفظ النفس. وحفظ المال!
وبما أن المعهد الأمريكي العالمي لم يقدم للمسؤولين عندنا غير خدمة عنوانها: الرتبة التي نحتلها عالميا في التدين. فإننا نتساءل عما إذا كانت هذه الخدمة المجانية باعثا من بواعث التحرك لإحداث شيء ما في المسار اليومي للعمل الديني لدى المغاربة في الجملة؟ كما نتساءل عما إذا كانت بمثابة وسام علقته الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة "مهعدها العلمي" للمشرف عندنا على تنظيم الشأن الديني المحاط بالمجلس العلمي الأعلى، وبالمجالس العلمية الجهوية عبر التراب الوطني، خاصة وأن هذا المشرف لا زال حتى الآن يجتهد في تحقيق نتائج مرضية باهرة لم يفلح في تحقيقها منذ أن خرج باجتهاداته لإنجاز ما طلب منه إنجازه؟
ونفس التساؤلات – على وجه التقريب – نطرحها بخصوص الدراسة الميدانية التي أنجزها الثالوث الاجتماعي المذكور حول الممارسة الدينية في المجتمع المغربي كله. إذ العينات التي تم اعتماده عليها للخروج بنتائج، وقفنا على بعض منها بقلم سعيد الشطبي، مأخوذة "من السكان في مناطق مختلفة من المغرب".
فهل نصدق منجزات الثالوث المغربي؟ وهل نقبل بدون ما تحفظ وبدون ما تمحيص ما وصل إليه هذا الثالوث من نتائج لدراسة كلفته من المتاعب ما لا يمكن لنا جحده أو إنكاره؟
ثم نتساءل مجددا بخصوص "معهد غالوب" فنقول: هل أنجز هذا المعهد ما أنجزه في ظرف ثلاث سنوات لوجه الله عز وجل كما يقال؟ ثم لماذا أنجزه في الظروف السياسية التي يعرفها عالم اليوم؟ ولماذا لم يتم له إنجاز ما أنجزه منذ نشأته سنة 1935م حتى بداية عام 2006م بالتحديد. حيث شرع في إنجاز ما نرحب الآن به عن طيب خاطر؟
فهل تحرك من تلقاء نفسه للقيام ببحث لا ندري بالتحديد هدفه من ورائه؟ أم إنه مدفوع إلى ما قام به ومحمول عليه؟ أو ليست هناك خطة مرسومة بعناية وبدهاء بالغين، وضعتها جهة أو جهات – كما أومأنا إلى ذلك – بحيث أسند تنفيذ فصولها إلى المعهد الأمريكي، لا إلى أي معهد آخر غيره في دنيا المعاهد الإحصائية والاستطلاعية وما أكثرها؟
أو ليست هناك علاقة من نوع ما بين الإرهاب والتدين؟ أو لا تشكل الدول الأكثر تدينا في العالم مرتعا خصبا للإرهاب، ومعقلا من معاقله الحافل بالإرهابيين؟ أو لا تشكل بؤرة من بؤر نموه كحال بانغلاديش الذي يسعى الأمريكيون إلى تقليم أظافر المدارس الدينية بها، والتي تقدر بالآلاف حتى لا تصبح مصدرا للإرهابيين الذين يقصدون دولا كباكستان وأفغانستان والصومال والعراق، حيث المواجهة المفتوحة بين الإسلاميين وبين الاستكبار العالمي؟ أو لا تستفيد الدول المعنية مباشرة بما أنجزه "غالوب" من النتائج التي توصل إليها كي تقي نفسها ما أمكن من جهات متطرفة دينيا، في الظلام تتحرك لا في النور؟
من جهة أخرى، أو لا تشبه دراسة "غالوب" في هذا الوقت بالذات،تلك الدراسات الأنتربولوجية التي كانت حين إنجازها تمهيدا للاستعمار ودليلا صالحا للاستعمال بين يديه؟
أو لا يمكن أن تكون دليلا للطواقم التبشيرية المجندة من وراء الستار لتنصير العالم برمته؟ هذا المخطط الذي كان واضعوه قد حددوا نهاية القرن العشرين لتنفيذه بالكامل! لكن القرن العشرين قد ولى إلى غير رجعة بخيره وشره! دون أن يكون حلم كبار قادة المسيحية وزعمائها قد تحقق على أرض الواقع؟ مما يعني أن هؤلاء القادة وهؤلاء الزعماء، قد يعيدون الكرة، أو قد يستمرون في تنصير من لم يتم تنصيرهم بعد! وخريطة "غالوب" مكنتهم – على ما يبدو – من معرفة مواقع بعينها حيث يلزمهم التركيز عليها لتحقيق الهدف الذي يتطلب أكثر من جهد. وأكثر من طاقات. وأكثر من ميزانيات ضخمة بدون ما ريب؟
مع التنبيه إلى أن الرئيس الأمريكي المنهزم انتخابيا أمام براك أوباما، كان من ضمن المتصدرين لعولمة "التنصير". وإن بقوة الحديد والنار! ومع التنبيه إلى آلاف نسخ الإنجيل التي دخلت رفقة الجيوش الأمريكية الغازية إلى كل من: أفغانستان. والعراق! ثم مع التنبيه إلى أن عملية التنصير، وتصدر جورج بوش لها – من موقعه كرئيس لدولة عظمى – حتى تتم في أقرب وقت ممكن، عبارة عن دراسة موثقة صادفتها في الموقع الإلكتروني لباحثة مغربية جادة اسمها – للأسف الشديد – لم أفلح في تذكره.
ثم مع التنبيه إلى أن الأمريكيين – كقادة للتنصير – قد وجدوا في "الزوايا" وفي " الطرق الصوفية" وفي " القبورية" بديلا مؤقتا عن التنصير الفوري! ما دام هذا الثالوث يجسد شيئين أساسيين:
- الدين المحرف الحامل لفكر ظلامي متخلف رجعي هدام!
- ميل إلى المهادنة اكتفاء من قادته ب"الهبات" أو ب"الفتوح" مقابل استقطاب الجماهير باسم أهمية الروحانيات والكرامات! إلى حد أن الأمريكان أبدوا كامل استعدادهم للتعامل ماديا مع الأنظمة الإسلامية التي ترعى الثلاثي الظلامي المذكور، وتسانده وتؤيده وتحمي زعماءه وقادته!
ونسجل هنا للتاريخ، كيف أن من قدموا "معهد غالوب" والديول المتصلة به إلى القراء على متن جريدة "المساء" لم يطرحوا مثلنا كل التساؤلات التي طرحناها نحن؟ بل ولم يطرحوا حتى بعضا منها ولو بصيغ مختلفة كي لا يقال بأنهم خرجوا عن الترحاب المغربي وحسن ضيافته المجاني للمعهد الأمريكي ولمؤسسه؟ وإنما مجدوا الرجل – كما قلنا – إلى الحد الذي نعتبره نحن قد فاق المعقول؟
تقول الجريدة لإطراء "غالوب" ومعهده – لا للاعتراض على ما أنجزه والتشكيك فيه – "ولضمان الاستقلالية والموضوعية، قرر الدكتور: غالوب (قيد حياته!) أنه سوف يجري اقتراعات غير مدفوع لها بأي شكل من الأشكال من قبل جماعات الضغط أو المصالح الخاصة! مثل الحزب الجمهوري الأمريكي! أو الحزب الديمقراطي! وهو الالتزام الذي تمسكت به مؤسسة "غالوب" حتى اليوم حسب مسؤولي المؤسسة!!!
تاريخيا قامت "غالوب" باستطلاعات مشهود لها بالدقة في التنبؤ الصحيح بنتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. وهناك استثناءات بارزة لتلك الدقة كفوز ترومان على توماس ديوي في انتخابات سنة 1948م. حيث اختار أغلب المقترعين ديوي. وأيضا توقع "غالوب" انتصار جيرارد فورد في سنة 1976م أمام جيمي كارتر. وكان آخر ما قامت به المجموعة هو استطلاعها بخصوص مستوى تدين الشعوب. وقبله تنبأت المؤسسة عبر نتائج استطلاع عالمي قامت به عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية لفوز المرشح الديموقراطي باراك أوباما"!
ونختم هذا المحور بالتساؤل عن القيمة العلمية والتجريبية لعملية الإحصاءات واستطلاعات الرأي والدراسات الميدانية لظواهر اجتماعية واقتصادية وسياسية. هل يمكن رفعها إلى مستوى قيمة العلوم التجريبية التي تصل عند التحقق مخبريا من مختلف الفروض النظرية التي تطرحها إلى واقع مبرهن على صحته بنسبة كبيرة من اليقين. تماما كالفروض المتعلقة قبل إجراء التجارب عليها بظاهرة الضغط الجوي، أو بظاهرة المد والجزر على سبيل المثال؟ أم إن عنصر الذاتية الذي لم يفارق، ولن يفارق دراسة أية ظواهر إنسانية يوصد الأبواب أمام كل محاولة لتأكيد حضور الموضوعية المطلقة في أي استطلاع، وفي أي إحصاء، وفي أية دراسة ميدانية اجتماعية يجريها أي باحث. كان هذا الباحث متخصصا في علم الاجتماع العام. أو كان متخصصا في علم الاجتماع الخاص، كعلم الاجتماع الديني. أو كان متخصصا في تاريخ الأديان. أو كان غير متخصص، لا في هذه ولا في تلك. وإنما هو – كما يقال – مثل وشيظة العظم بين كل هذه الأطراف أو كل هذه المجموعات؟؟؟
الدكتور محمد وراضي
1
عن جريدة "المساء" المغربية.
مرحبا بالدكتور "غالوب" في المغرب المضياف!
ثانيا: ما أنجزه الثالوث المغربي الباحث:
إن امتدحت جريدة "المساء" المغربية "غالوب" ورحبت به، فما الذي يمنعنا من امتداح الثالوث المغربي الذي وظف محصلته في علم الاجتماع العام كي يخرج بنتائج تؤيد ما ذهب إليه "غالوب" وتؤكده. وبما أننا غير مرتاحين لما أنجزه المعهد الأمريكي. فإننا لم نقبل بارتياح تام ما أنجزه الفريق المغربي الجاد لما سوف نتقدم به من براهين مؤيدة لعدم ارتياحنا حتى لا نتهم بمجرد التحامل أو بمجرد الادعاء!
قال مقدم ما أنجزه الفريق المغربي سعيد الشطبي: "الدراسة هي الأولى من نوعها في المغرب وفي العالم العربي! سيما وأنها قاربت الممارسة الدينية اليومية عند المغاربة من منطلق الحسم (أي حسم؟) والوقوف على حقيقة الادعاءات التي كثرت في هذا المجال (أي ادعاءات؟). ومن منطلق تسخير العلوم الاجتماعية وأدوات التحليل الاجتماعي لدراسة الظاهرة الدينية بعيدا عن الخطاب الأيديولوجي. ولتوضيح طبيعة الممارسة الدينية اليومية لدى المغاربة".
وما قاله الكاتب مبدئيا هنا من صميم الأيديولوجية التي يريد أن ينكرها على غيره! فعبارات "منطلق الحسم"! و"حقيقة الادعاءات"! و"بعيدا عن الخطاب الأيديولوجي". من ملامح هوية الكاتب الذي صب جام غضبه في جمل مركزة مضغوطة على الطرف الآخر الذي يواجه تكتل الدولة والأحزاب والعلماء وقادة الفكر الظلامي الطرقي والقبوري والمتباهين ب"التحديث"و"العصرنة" و"الحداثة"!
وبما أنني لم أطلع شخصيا على الدراسة الميدانية "حول الممارسة الدينية في العيش اليومي المغربي" والتي تحمل توقيع المجموعة المغربية الباحثة النشيطة. فإن ما سوف أتناوله بالنقد والتحليل، لا يخرج عما قدمه سعيد الشطبي بقلمه. مع الاعتذار المسبق _ إن أخطأت – إلى المجموعة التي وفرت له المادة العلمية كي يصيغها هو بعباراته بعد أن يكون قد أدرك إلى حد بعيد ما تزخر به من دلالات،،، وما تحمله من مختلف الأبعاد الاجتماعية والسياسية على أبعد تقدير.
فإن كانت جل العناصر الواردة لدى الكاتب في تقديمه لما أنجزه الثالوث المغربي، قابلة للأخذ والرد. فإن العنصر الأساسي الذي يثير الانتباه إلى حد القلق والامتعاض أو الشعور باستياء، هو الأطروحة القائلة بأن الممارسة الدينية لدى المغاربة "أقرب إلى الاعتدال منها إلى التطرف"! وهذه الأطروحة – لما تمثله من خطورة – سوف أخصص لها معالجة مستقلة في المقبل من الأيام. وذلك حتى يدرك القراء والمغاربة أجمعون ما يعنيه التطرف من جهة… وحتى يدركوا من هم المتطرفون من جهة ثانية.
أما بقية العناصر التي وفرها لنا الكاتب سعيد الشطبي، فنشرع الآن في التعامل معها بالمنقول والمعقول في آن واحد:
2
1- يقول الكاتب: "وتبقى أهم الملاحظات العامة التي كشف عنها البحث، هي أن المجتمع المغربي ليس "مؤسلما" كما تذهب إلى ذلك بعض الاجتهادات ذات الخلفية الأيديولوجية، بل إن غالبية فئاته المجتمعية تمارس دينها انطلاقا من إدراكها الفطري ومما علمت من تعاليم دينية بسيطة"!
فإن صححنا الخطأين الواردين في المكتوب بخط غليظ بارز وهو "الممارسة الدينية عند المغاربة أقرب إلى الاعتدال منه إلى التطرف والتعصب". بحيث إننا أضفنا "إلى" بعد "أقرب" ووضعنا "منها" مكان "منه" حتى نكون فصحاء بلغاء! فإن علينا أن لا نبقي على الخطأ الوارد في قول الثالوث الباحث: "انطلاقا من إدراكها الفطري وما علمت من تعاليم دينية بسيطة"، حيث نقول: إن الفصيح هو قولنا: "انطلاقا من إدراكها الفطري ومما علمت". حتى لا نمعن في الإساءة إلى لغة الضاد والشمس في كبد السماء ساطعة!
ثم إن علينا أن نخضع للاختبار قول الثالوث بأن المجتمع المغربي غير "مؤسلم". فنتساءل للتو من باب الفضول المعرفي عما يعنيه لفظ "مؤسلم"؟ إذ اللفظ للتذكير: كلمة تدل على شيء. فهل "مؤسلم" مصدر لفعل لا نعرفه؟ أم هو اسم مفعول لنفس الفعل الذي نجهله؟
فما الذي يمكن فهمه من كون المجتمع المغربي غير "مؤسلم"؟ وما الذي يمكن فهمه من عبارة "أسلمة الفلسفة"؟ومن نظيرتها "أدلجة المواقف"؟ وما الذي يحدث لو سألنا الثالوث الباحث من خلال مقالنا هذا عن فعل "مؤسلم" كمصدر؟ أو عن فعله كاسم مفعول؟ وما الذي يحدث لو حولنا التاء المربوطة في قولنا "أسلمة الفلسفة" إلى تاء التأنيث الساكنة حيث نقول: "أسلمت الفلسفة". أو لا يفهم من هذه العبارة الأخيرة بأن الفلسفة أصبحت مسلمة؟ أو أنها – بعبارة أخرى – عانقت الإسلام عن طيب خاطر؟
ثم ما الذي يحدث لو قمنا بنفس العملية مع قولنا: "أدلجة المواقف"؟ أو لا تصبح العبارة هكذا "أدلجت المواقف". بتاء التأنيت الساكنة كأسلمت بالتمام والكمال؟
إن ما يحدث بالضبط هو أن المواقف دخلت في الظلام الحالك! أو لنقل – بصيغة أخرى – إنها أصبحت مظلمة! لأن فعل "أدلج" بالكلام العربي المبين، هو: سار الليل كله، أو في آخره. ومن هنا قول الشاعر:
حمد المدلجون غب سراهم وكفى من تخلف الإبطاء
فما علينا إذن غير استخلاص المعنى الذي يريد الثالوث الباحث إعطاءه للفظ "مؤسلم"! بناء منا على اجتهادنا من ناحية. وعلى ما يحمله سياق كلامه قبل "مؤسلم" وبعده من ناحية ثانية.
إن التدين لدى المغاربة في الوقت الحاضر، لا يمكن اعتباره نتيجة للعمل الدعوي الديني - الخالص! أو للعمل الدعوي – السياسي الذي قامت، وتقوم به جماعات أو جمعيات دينية هدفها المخفي تعطيل المد الحداثي لفائدة فرض الاحتكام من جديد إلى شرع الله! وكأن فضل إقبال الناس بكثافة على التدين، لم يكن قائما قبل ظهور خصوم العلمانية والعلمانيين! بل إن الواقع يؤكد لنا بتجربة ميدانية – لم يخلط فيها الباحثون بين مستلزمات الإتنوغرافية، والإتنولوجية – كيف أن غالبية فئات مجتمعنا "تمارس دينها انطلاقا من إدراكها الفطري، ومما علمت من تعاليم دينية بسيطة"، مما يعني أن ادعاء الدعويين الذين لا يخفون ميولاتهم الأيديولوجية
3
مجرد ادعاءات كاذبة. وهذه الادعاءات الكاذبة، من "أهم الملاحظات العامة التي كشف عنها" بحث الثالوث المغربي السوسيولوجي!
غير أن هذه الرؤيا السوسيولوجية الميدانية للتدين لدى المغاربة معلولة بعلل هي هذه باختصار:
أ- من المعروف تاريخيا – كما يقول ابن خلدون – أن المغاربة ارتدوا عن الإسلام أزيد من عشر مرات!
ب– نحيل الثالوث الباحث، ونحيل معه القراء على "الاجتماع الديني: مفاهيمه النظرية وتطبيقاته العملية" للدكتور أحمد الخشاب، أستاذ علم الاجتماع سابقا بكلية الآداب، جامعة القاهرة. فسوف يقف فيه أي مطلع مهتم على وصف موضوعي محايد لأغلب الديانات ولأغلب الجماعات المتدينة المعروفة عبر العالم.
ج- من جملة ما أورده الدكتور الخشاب – وهو يستعرض النظريات التي قيلت عن نشأة الدين – قوله: "وقد حاول كثير من علماء الأديان أمثال "بروس" و"لانج" أن يثبتوا بأن الإنسانية بدأت بدين الوحي الحقيقي. وأن هذا الوحي غرس فكرة الله في نفس الإنسان. ولكن الخطيئة الإنسانية أخفت معالم تلك الحقيقة"! وهذا ما أكده النظم الكريم في غير ما آية. وهو نفس ما أكده فولتير – وكأنه بلغة القرآن يتحدث – عندما هاجم بقسوته الساخرة المعروفة كلا من "التوراة" و"الإنجيل".
قال عن الكتاب الأول: "إذا كان الله هو الذي نزل "التوراة" فلا بد أنه شديد الجهل! (…) فهذا الإله الأخلاقي إلى أبعد الحدود، كيف نتصور أنه يوحي إلى أنبيائه بأحمق الأفكار وأدنسها وأفجعها؟ وكيف نعلل أمره "حزقيال" بأن يأكل السحاء، وأن يوثق نفسه ويبقى مضطجعا تسعين يوما على الجانب الأيسر. وأربعين يوما على الجانب الأيمن. وأن يأكل خبزه مغطسا ببرازه"؟؟؟
وقال عن الكتاب الثاني: إن حظه من الاحتمال العقلي ليس بأوفر. فالأناجيل ليست متكاملة فيما بينها. بل تتناقض وتتعارض. ولا نجد فيها نفس الأنساب ولا نفس المعجزات، ولا ذات الأقوال ولا ذات الأفعال"؟؟؟
وقال عن الكنيسة والثالوث: "فقد أخذ كل من الكنيسة والآباء المقدسين على عاتقهم أن يجعلوا الديانة المسيحية أقل تماسكا. ألا إنهم هم الذين يدعوننا إلى الإيمان بالثالوث الأقدس. الأمر الذي يشكل سانحة لمجادلات دامية. ولكن لا توجد كلمة واحدة عن ماهية هذا الثالوث في "التوراة" ولا في "الإنجيل"! إنما تبحثه مؤلفات الأفلاطونيين الحديثين"!!!
مما يفيد بأن الديانات السماوية معرضة للتحريف والتشويه. تعلق الأمر فيها بالمعتقدات. أو تعلق الأمر فيها بالعبادات والمعاملات. وهذا ما حذر منه الله والرسول في أكثر من سورة، وفي أكثر من حديث. حيث تم التعبير عنه مرة ب"الغلو"، ومرة ب"الرهبانية"، ومرة ب"الإفراط"، ومرة ب"التفريط"، ومرة ب"الابتداع". ومرة ب"الإحداث"، ومرة ب"التضليل"، ومرة ب"الضلال المبين"!
ثم إن ديننا لم يقف عند التحذير مما حذر منه. وإنما لعن بوضوح تام كل "من ذبح لغير الله"! وكل "من آوى محدثا" – يعني مبتدعا -! واعتبر من وقر صاحب بدعة "معينا على هدم الإسلام"، أي مشاركا للمبتدع ومساهما معه فيما ابتدعه واشتغل به!
ولما اتضح لنا كيف واجه الغربيون "الكهنوت" للتخلص من آثاره السيئة والسلبية والمشينة على المواطنين في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ارتأى لنا أن نصف "الكهنوت" عندنا ب"الفكر الظلامي الديني" المعيق لنهضتنا، وكلنا أمل في القيام بثورة ثقافية مغربية بيضاء لتحرير الشعب من واقع مزمن متخلف رجعي. ظروف ولادته تعود إلى نهاية عصر المرابطين وبداية عصر الموحدين.
2- يتحدث الثالوث المغربي الباحث عن "الإدراك الفطري" وعن "تعاليم دينية بسيطة" لدى المغاربة. بحيث إنه يجمع في جملة واحدة بين متناقضين!
فإن كانت "الفطرة" هي ما يتصف به أي كائن من صفات طبيعية منذ نشأته، كخلقته، وغرائزه واستعداده الكامن للتعلم، فإن الادعاء بأنه يتدين انطلاقا من "إدراكه الفطري" ادعاء لا أساس له! إذ الإدراك في علم النفس نوعان: إدراك حسي، وإدراك عقلي. وقبلهما لا يوجد لدى الكائن البشري بالتحديد غير "الإحساس". ومن هنا قيل: "الطفل يحس ولا يدرك"! مما يعني أن أي طفل لا بد أن يظل لفترة ما في مرحلة مجرد الإحساس. ثم يتجاوزها إلى مرحلة الإدراك الحسي. ثم ينتهي إلى مرحلة الإدراك العقلي، حيث القدرة على التجريد الذهني. مما يفتح أمامه أبواب اكتساب تعاليم دينية قد تكون بسيطة وقد تكون متوسطة وقد تكون معمقة.
دون أن يخطر ببالنا أن البشر جميعهم "حي بن يقظان" الذي أراده ابن طفيل نموذجا لإنسان طبيعي بعيد عن أي مجتمع! بحيث انتهى به الأمر - اعتمادا منه على تأملاته وملاحظاته الخاصة - إلى أن الله موجود، كانتصار من أستاذ ابن رشد لتقدم العقل على النقل. وكانتصار منه للاتجاه المعتزلي الذي يرى أن العقل قبل السمع لا العكس. مما يؤيد أطروحة الجماعة الباحثة التي جزمت بأن الإنسان المغربي يتدين انطلاقا من "الإدراك الفطري"! هذا الإدراك الوهمي الذي قلنا بأنه لا أساس له.
غير أن الناس – كما قلنا - ليسوا كلهم "حي بن يقظان" المعزول في جزيرة منقطعة عن الساكنة البشرية من جهة. فضلا عن كون التفكير يستدعي وجود لغة كأداة للتعبير من جهة ثانية! ووجود لغة يستدعي وجود المعبر بها في المجتمع من جهة ثالثة! ووجوده في المجتمع يقتضي تعلمه للغة أجداده أو للغة أبويه من جهة رابعة! وإلا كان بالإمكان أن تتوصل الغزالة التي أرضعت "حي بن يقظان" إلى نفس ما توصل إليه ابنها بالتبني لأنها لم تلده؟
وقد يسلمنا هذا المنطق الواقعي لا الوهمي، إلى مقولة واقعية منطقية ثقيلة على قلوب من أدلجوا بدافع القهر أو عن طواعية مع غياب الوعي الكامل بكل من الذات والواقع! دون أن يتمكنوا من حمد غب سراهم حتى الآن!
قال محمد بن عبد الله الرسول الصادق الأمين: "كل مولود يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"! مما يجعل ادعاء اكتساب الأطفال للتدين انطلاقا من "الإدراك الفطري" المفترض في مهب الريح!
خاصة وأن الطفل كعجين الألوان بين يدي والديه، أو كقطعة ثوب بن يدي خياط. فلا العجين يتحول من تلقاء ذاته إلى شكل من الأشكال. ولا قطعة ثوب تتحول من تلقاء نفسها إلى جلباب مغربي، أو إلى كوفية سعودية أو فلسطينية. إذ الأمر يتعلق بعملية "التشخصن" الذي تتدخل فيه أطراف وعناصر عدة!
كما يسلمنا ما قدمناه للتو إلى أدق نظرية وأصوبها من نظريات المعرفة. إنها في سورة "الملك" حيث نقرأ الآتي: "قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة". مما نفهم منه كيف أن بداية الابتعاد التدريجي عن الفطرة بداية تعلمية تعليمية. فالمولود فطري في كل شيء، ثم يتصل فور ولادته بالعالم الخارجي عن طريق اللمس والذوق والسمع والبصر والشم، لكنه لا يتصل به عن طريق الفؤاد الذي لا يعد واحدا من الحواس الخمس، إلا بعد أن يبلغ عنده الإدراك الحسي غايته. وبما أن اللمس والذوق والشم لا تشكل عناصر أساسية في اكتساب المعرفة، فقد تم التركيز في الآية المتقدمة على السمع أولا، وعلى البصر ثانيا، وأخيرا على الفؤاد الذي هو العقل. وفي هذا دحض مباشر للنظرية المثالية الأفلاطونية في المعرفة. ودحض للنظرية العقلية فيها. وتأييد للنظرية التجريبية. فلا المعرفة تذكر لما عرفته النفس سابقا في عالم المثل! ولا هي كامنة في العقول بحيث إنها لا تحتاج إلا إلى من يحسن استنباطها واستخراجها. وإنما تتكون المعرفة بالتدريج حتى يدرك أي كان من البشر مبلغه منها قل أو كثر. وهذه المعرفة المتكونة هي التي تمثل العقل كمضمون. وباعتمادها في التعامل اليومي يتشكل العقل كوظيفة. ويلخص ما أوضحناه للتو قوله تعالى: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا (= لا عقول لكم). وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة (= العقول) لعلكم تشكرون"!
3- اعتبر الثالوث الباحث المغربي وجود الجماعات الإسلامية في بلدنا نتيجة طبيعية لوجود تيار تحديثي حداثي. فالجماعات الإسلامية إذن وجدت كرد فعل ضد هذا التيار!
إنما عن أي تيار تحديثي حداثي يتكلم أصحابنا الباحثون؟ عن تيار ليبرالاوي ( من لوى يلوي!)؟ أو عن تيار اشتراكاوي (من كوى يكوي!) بشطريه: الاشتراكاوي الديمقراطاوي! والاشتراكاوي الثورياني؟
فإن تكلم عن التيار الليبرالاوي الذي لم يعرف المغرب غيره منذ دخول الاستعمار حتى الآن، فإنما يتكلم عن نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي في صورته المغربية التي شوهته كنظام، ضوابطه عندنا لم تحترم إلا في مجال المناكر والفواحش ما ظهر منها وما بطن! يكفي أن يكون تصدير المومسات من بلدنا إلى بلدان أخرى غيره كي يتمتع المستوردون بما لذ وطاب من لحوم نسوية طازجة ناضجة! إلى حد أننا على النقيض من أجدادنا الذين كانوا يصدرون الأولياء إلى المشرق! فضلا عن العاهرات اللواتي تعج بهن الخمارات والمراقص والفنادق في مختلف مدننا كوجه من وجوه التيار التحديثي – الحداثي الذي قامت الجماعات الدينية في وجهه كي تعود به وبالمغرب كله إلى عهد البغال والحمير؟
نعم، إن الجماعات الإسلامية، وكل الدعاة اللامنتمين إلى أية جماعة بعينها، مسلحون بعقيدة هدفها بناء مواطنين كرماء أحرار واعين رافضين لكل ألوان المسخ والتفسخ والظلم والاستغلال، والحرمان من العدل والمساواة والأخوة والرحمة والتكافل والإحسان والبر كمبادئ الدين الحق. لا كمبادئ صدرتها لنا الثورة الفرنسية التي يمجدها الحداثيون!
عن جريدة "المساء" المغربية
مرحبا بالدكتور "غالوب" في المغرب المضياف!
ثالثا: أرقام متناقضة وادعاءات خاطئة.
استنتج الثالوث الباحث باعتماد الأرقام هذه المرة أن 87 في المائة من المغاربة لديهم مصحف أو أكثر. وأن 83 في المائة منهم مع الحجاب. وأن 16 في المائة عبروا عن رغبتهم في الانتماء للجمعيات الإسلامية!
وهذا يعني بالتحديد أن عدد من لديهم المصحف في بيتهم هو ( 26.100.000) مواطن، على اعتبار أن سكان المغرب الآن يقدرون ب(30 مليون نسمة) بينما عدد الذين حرموا أنفسهم من امتلاك المصحف لا يتجاوز (3.900.000) مواطن. في حين بلغ المؤيدون لارتداء الحجاب (24.900.000) مغربي ومغربية. أما الراغبون في الانتساب إلى جمعيات إسلامية، فينحصر عددهم في (4.800.000) مواطن.
وأمام هذه النسب الرقمية التي لا ندري بالتحديد كيف انتهى إليها أصحابنا الباحثون. نقصد عملية استخلاص النسب، انطلاقا من عدد العينات التي شملها البحث الميداني المباشر، فانتهاء بقراءة مضامين الاستمارات قراءة خالية من "التوابل" الذاتية. أو من "البهار" الأيديولوجي الذي سوف نشم رائحته كرائحة سابقه، ونحن نمعن النظر في الأرقام التي بين أيدينا كنسب خاضعة لبحث موضوعي نزيه كما يدعي القائمون به!
نقول: إن كانت غالبية المغاربة "تمارس دينها انطلاقا من إدراكها الفطري! ومما علمت من تعاليم دينية بسيطة" فهل هذه الغالبية هي ممن لها مصحف في المنزل، والتي تشكل 87 في المائة من المستجوبين؟ أم إن الغالبية المقصودة هي دون نسبة 87 في المائة بقليل؟ أم هي أكثر من 90 في المائة؟ أم أنها قد تجاوزت 50 في المائة. بحيث يصح أن تكون هي 52 في المائة كنسبة انتخابية في انتخاب رئيس أمريكي؟ أو في انتخاب رئيس فرنسي؟ لا في انتخاب رئيس ليبي؟ أو رئيس جزائري؟ أو رئيس مصري؟ وقد يصح أن تكون الأغلبية الواردة لدى الثالوث المغربي الباحث هي 99 في المائة. كنسبة مشابهة لنسبة استفتاء عام على دستور دولة كسوريا والمغرب نفسه؟
ثم ما علاقة نسبة 87 في المائة بالتدين لدى الشعب المغربي؟ وما الذي تعنيه نسبة 83 في المائة من المغاربة الذين يؤيدون ارتداء الحجاب؟ ومن أي منطلق؟ فهل هذا يعني أن المؤيدين لارتدائه متدينون؟ ثم ما الذي تعنيه نسبة 16 في المائة من المغاربة الذين يرغبون في الالتحاق بجمعيات إسلامية؟ وما المقصود هنا بهذه الجمعيات؟ هل المقصود هو الجماعات الدعوية؟ أم الجماعات الخيرية؟ أم إن المقصود هو الجماعات الدينية السياسية كالعدل والإحسان. وكالعدالة والتنمية. والمعروف بالسلفية؟
وإن كانت هذه الجماعات تمارس كلا من الدعوة والعمل السياسي في الآن ذاته. فهل انتهى البحث السوسيولوجي الموضوعي لدى الثالوث المغربي الدارس إلى أن نسبة 16 في المائة من المغاربة والتي تعني بالأرقام (4.800.000) مواطن، هي النسبة التي تشكل الإسلام السياسي والدعوي مقابل نسبة 84 في المائة المفترضة المعارضة للانتساب إلى أي تكتل جمعوي إسلامي أو إلى أية فرقة. بغض النظر عن الانتساب إلى طوائف صوفية على اعتبار أنها بدورها جمعيات إسلامية بمعنى من المعاني. يعنى أن نسبة 16 في المائة من المغاربة المتدينين تمثل نشازا في الصفوف أو خروجا عن الإجماع. هذا إن كان هناك إجماع بالفعل؟ مما يفيد بأن الأغلبية المتدينة انطلاقا من "الإدراك الفطري" المفترض مستهدفة من طرف أقلية. من شأن مختلف تصرفات هذه الأقلية التشويش على المتدينين الذين لم تفلح محاولات "أسلمتهم" في تنيهم عن التدين الحقيقي الذي لم تنقطع تلك الأغلبية عن ممارسته منذ فتح جند المسلمين للشمال الإفريقي بأجمعه؟
لنذكر الثلاثي الباحث هنا. ولنذكر معه كل قارئ لما نكتبه الآن، بأن العلماء في ميادين تخصصاتهم يحددون الظاهرة التي سوف يدرسونها أولا. ثم يتأكدون من هويتها ثانيا. وإن هم قطعوا هذين الشوطين. شرعوا في العمل الاستقرائي المعروفة شروطه ومستلزماته.
فعالم الاجتماع المقبل على دراسة ظاهرة الزنا بلغة القرآن في مدينة أو في منطقة ما من مناطق بلدنا، لا بد أن يعرف ما هو الزنا. كما عليه أن يعرف ما هو الانحراف الخلقي إن هو أقدم على دراسة ظاهرة الانحراف الخلقي. يعني أنه ملزم موضوعيا بمعرفة أية ظاهرة من الظواهر المجتمعية التي يرغب في دراستها. ثم إن عليه – حتى لا يقع ضحية الذاتية والتحيز – أن يتجنب الملاحظة بالمشاركة. وأن يصب كل همه على المشاركة بالملاحظة.
ما نعنيه على وجه الدقة هو ضرورة معرفة الثلاثي المغربي الباحث لمفهوم "التدين". أو معرفته لمفهوم "الممارسة الدينية". إذ لا تستقيم أية دراسة تجريبية لظاهرة اجتماعية غير مفهومة للدارس!
إن التدين – باختصار شديد – عمل مفروض على أي مسلم، وعلى أية مسلمة أداؤه. وهذا العمل المفروض الذي يشكل الشق التطبيقي للدين - لا الشق النظري - له صفتان، بدون توفرهما يفقد التدين على الفور معناه. فما هما الصفتان اللتان على عمل المتدين الاتصاف بهما؟
أولا: لا بد أن يكون عمله أو تدينه خالصا لله تعالى وحده. إذ الرياء أو التظاهر بالدين من المحرمات.
قال نبي الهدى والرحمة: "من سمع سمع الله به. ومن يرائي يرائي الله به".
ف"سمع" بتشديد الميم وفتحها معناه: أظهر عمله للناس رياء. و"سمع الله به" معناه: فضحه يوم القيامة!
أما من "يرائي" أي من يظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم وهو ليس كذلك، فإن الله تعالى يرائي به جهارا. بحيث إنه سبحانه يكشف عما كان يضمره أمام الأشهاد غدا يوم الحساب والميزان!
وعليه، فإن من يحملون السبحة في اليد، أو في العنق أمام الملأ، يقول لسان حالهم بالحرف "إننا على عبادة ربنا دؤوبون. فنحن لم نكتف بأداء ما علينا من واجبات مشتركة، بل إننا حملنا أنفسنا حملا على ذكر ربنا في كل وقت وحين"!
فضلا عن كون حمل السبحة لعد الأذكار بدعة ضلالة! ولمن يريد التأكد مما ندعيه، فما عليه غير مطالعة كتاب "البدع والنهي عنها" لتلميذ سحنون القيرواني محمد بن وضاح الأندلسي.
إضافة إلى أن الاشتغال بالأذكار والأدعية جماعة داخل المساجد وداخل الزوايا وخارجها. وداخل المنازل وخارجها، بدع لا علاقة لها بمذهب مالك بأي وجه من الوجوه! وليراجع من أراد تصحيح معلوماته كتاب "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" للقاضي عياض اليحصبي المغربي السبتي..
إضافة إلى الكثير من البدع التي غرق فيها المغاربة حتى الأعماق ولا يزالون. هذه البدع التي أتيحت لي فرص فضح بعض منها في جريدة مغربية أسبوعية منذ عدة سنوات.
ثانيا: لا بد أن يكون عمل المتدين – إلى جانب كونه خالصا – صوابا . والصواب هو السداد أو مطابقة لما يعتبر حقا أو صحيحا بالفعل. فجرى الحديث هكذا عن "صواب رأي". وعن "صواب قضية". وعن "طريق الصواب".
فإن كان الإخلاص هو أن لا يشرك المؤمن أحدا بعبادة ربه، بما في ذلك هواه أوميولاته. فإن الصواب هو أداء كل متدين لما عليه كما كان نبي الهدى والرحمة يؤديه. أو ليس هو الذي خاطبنا بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"؟ وبقوله: "خذوا عني مناسككم".
والنتيجة المستخلصة مما تقدم، هي أن العمل الذي تنقصه صفة الإخلاص مرفوض. وأن العمل الذي تنقصه صفة الصواب مرفوض. يعني بعبارة أخرى أن عمل المؤمن إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل. وإذا كان صوابا غير خالص لم يقبل. ولا يقبل الله تعالى من المؤمن أي عمل تعبدي إلا إذا كان خالصا صوابا في الوقت ذاته.
فإن كان التدين غير مكتمل إلا بتوفره على الصفتين المذكورتين. فكيف يحق للثالوث المغربي الباحث أن يخلص إلى أن غالبية المغاربة متدينون؟ فعلى ماذا اعتمد لنشر هذه الأطروحة التي تمخض عنها بحثه السوسيولوجي كما يدعى؟
وما قول هذا الثالوث في الذين يتقدمون بالقرابين إلى أصحاب الأضرحة الذين تحولوا مع مرور الزمن إلى مجرد عظام نخرة، أو إلى مجرد رميم يشبه الهباء؟ فهل يعتبر هؤلاء متدينين مخلصين لربهم لا يشركون أحدا بعبادته؟ ثم ما هي بالتحديد الأعداد المنتمية إلى طرق صوفية ضلالية غرقت في تشويه الدين حتى الأعماق؟
نعم، قد يتوصل الثالوث المغربي الباحث إلى نتائج ربما فاقت النسبة التي قال بأنها تشكل النسبة المتدينة بالمغرب. تماما كما توصل إليها "معهد غالوب" الذي صنفنا في الرتبة الثالثة من حيث التدين. إلا أنه لا "معهد غالوب" ولا الثالوث المغربي الباحث على بينة تامة من مفهوم التدين الحق كما قلنا! مما يفيد كيف أن النتائج التي توصل إليها الطرفان، ليست سوى مجرد تناول لما هو سطحي خارجي! والحال أن المعلومات المتعلقة بموضوع التدين المشوه المنحرف عن الجادة، موجودة في جملة من المصادر والمراجع التي أذكر من بينها: "التصوف الطرقي بالمغرب المعاصر" لهذا العبد المذنب الذي يدافع بالأدلة العقلية والنقلية عما هو حق لا وهم! كما أذكر من بينها مؤلفي الأخير الذي أعطت جريدة "الأصداء" المحترمة الوقورة صورة واضحة مختصرة عنه. إنه "عرقلة الفكر الظلامي الديني للنهضة المغربية". هذا الذي كنت ولا أزال أنتظر من يحاول مناقشة مختلف المحاور التي عالجتها فيه، مستندا إلى أدلة، على الطرقيين والقبورين والمشعوذين دحضها إن هم على بينة من دين الله الحق. في حين أن السوسيولوجيين قد يعذرون إن هم اكتفوا بوصف ما اعتبروه حقيقة لسبب بسيط، هو أن جل علماءنا يفضلون كتمان ما أنزل علينا ربنا من البينات والهدى! إما خوفا من، وإما طمعا في!
هذا ولم يقف الأمر عند حد الأخطاء المرتكبة من طرف الثالوث الباحث. نقصد الأخطاء التي أوضحنا بعضا منها ولو بإيجاز. فها هو ذا خطأ فادح آخر يلمس بالأيدي. ويشم – إن شئنا - حتى بالأنوف.
قال سعيد الشطبي: "وأما ما تعلق بعلاقة المغاربة بقراءة القرآن وحفظ كلام الله. فقد أكدت الدراسة (= دراسة الثالوث الباحث) أن نسبة كبيرة من المغاربة لا يحفظون ولو كلمة من القرآن"!
ثم بعد هذا الكلام العائم الفضفاض يقول: "وفي الإطار ذاته كشف البحث أن 82.1 في المائة من الذين شملتهم الدراسة يستظهرون بعض السور القرآنية فقط. وأن 11 في المائة يؤكدون أنهم لا يحفظون شيئا من كتاب الله"! كأن الثالوث الباحث هذا "يخوض ويلعب"! فإن قال نفس الباحثين: إن نسبة كبيرة من المغاربة لا يحفظون ولو كلمة واحدة من القرآن. فلا يمكن أن تكون هذه النسبة أقل من 80 في المائة! وقد تصل إلى 82 في المائة بدون كسر! ثم إنه ليس من المنطق في شيء أن نبرم هنا ونفك هناك غير بعيد عن المكان الذي أبرمنا فيه ما أبرمناه! أي إنه لا يمكن الادعاء بأن 1،82 في المائة من المغاربة يستظهرون بعض السور القرآنية فقط! والحال أن هذا الادعاء سبقه ادعاء آخر يقول: إن غالبية المغاربة لا يحفظون ولو كلمة واحدة من القرآن! فإذا بهذه الغالبية نفسها تستظهر بعض السور القرآنية لا غير؟! فهل نقف عند هذه التناقضات الصارخة كي نضحك؟ أم نقف عندها كي نبكي ونستبكي؟؟؟
عن جريدة "المساء" المغربية
مرحبا بالدكتور "غالوب" في المغرب المضياف!
رابعا: من يتولى عندنا التأطير الديني؟
إن أسفرت دراسة "معهد غالوب" الأمريكي عن كون المغرب يحتل الرتبة الثالثة عالميا في التدين، بعد كل من مصر وبنغلادش، فإن دراسة الثالوث المغربي الباحث، كشفت عن كون أغلبية المغاربة متدينة بالفعل. أي أنه أقر بطريقته الخاصة ما صرح به "معهد غالوب"! بل إنه قد تجاوزه بخصوص ما قدمه من تفاصيل. سقنا بعضا منها مختصرة في الحلقتين السابقتين الثانية والثالثة.
وإن نحن تساءلنا عن الشروط الموضوعية المتوفرة لظاهرة التدين، للزم أن يكون التأطير في مقدمتها. وهذا التأطير بعينه، هو الذي كان ولا يزال محل القيل والقال! وكثرة السؤال! وإضاعة الأموال في غير طائل ذي بال! بحكم تدخل وزارة الأوقاف فيه من جهة. وبحكم التنازع فيه بين أطراف عدة من جهة ثانية.
نقول: إن هذا التأطير الملفت للنظر في الواقع المغربي اليومي. تناوله – في إطار الترحيب ب"غالوب" – عبد الإله سخير في ص 17 من نفس الجريدة المغربية المستقلة.
وعليه، فإن من حقنا، إن لم يكن من واجبنا أن نتساءل – ونحن من ضمن المعنيين بالأمر – عما يعنيه التأطير ببعده: الديني - السياسي، قبل تناول مختلف أنواعه ومقتضياته ومستلزماته.
فإن كان المعنى اللغوي للتأطير هو وضع شيء ما في إطار محدد. والإطار هو كل ما يحيط بالشيء من الخارج. فإن التأطير بمعناه الاصطلاحي، هو مد مجموعة من المستفيدين بما يلزم من معلومات ومن قواعد ومن ضوابط تمكنهم لاحقا من القيام بتنفيذ ما تم لهم تلقيه في موضوع، أو في موضوعات بعينها على أرض الواقع. تعلق الأمر بما هو نظري، أو تعلق بما هو عملي في مجال معين كالدين الذي نحن بصدد الكلام عن "التأطير" لترسيخه في العقول والنفوس بعد توضيحه وتلقينه وتحبيبه إلى المتدينين، وإلى من يرجى إلحاقهم بصفوف المتدينين. منظورا إليه قبل كل شيء – في السياق الذي نتحدث فيه – بعيون المؤطرين الخاضعين لتعليمات عليا. وذلك حتى يمارس الدين بالكيفية التي تريدها الجهات القائمة وراء هذه التعليمات! أصاب المؤطرون أم أخطأوا؟ عارفون بفحوى التأطير أو جاهلون به؟ أو أنهم بين الجهل به وبين معرفته؟
مما يعني أن قراءة الدين الصائبة ذاتها، إنما ينبغي أن تتولاها تلك الجهات، لا غيرها من بقية الجهات التي تشاركها، أو هي تزاحمها في التأطير والتوجيه! إنها – أي الجهات العليا – هي التي تحدد ما هو مقبول من كيفيات التدين وما هو مرفوض منها! ولم لا، والمجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية الجهوية جميعها تحت إمرتها، وبإذنها، وبإشارة منها تفتي وتناقش، وتدلي بالرأي الحسم في موضوع أمرت بالإفتاء فيه!
إن لديها مقياسا هو الاعتماد على المذهب المالكي في الفقهيات. وعلى المذهب الأشعري في المعتقدات. وعلى طريقة الجنيد في التربية الصوفية. مما يشير إلى أن المغاربة في العمل الديني على خطى هذا الثالوث يتدينون!
ودورنا نحن – كملاحظين بالمشاركة – لأننا لا نملك القدرة على التحرك خارج دائرة التدين كي نشارك بالملاحظة – هو التأكد واقعيا من التزام المغاربة فعلا بمذهب مالك، وبمذهب الأشعري، وبطريقة الجنيد.
إنما من يتولى تأطيرنا كي نتدين كما تريد منا دولتنا أن نتدين؟ ومن يؤطرنا حتى نظل جديرين بالرتبة التي نحتلها عالميا في التدين؟ بل من يؤطرنا حتى نحتل الرتبة الأولى قبل أية دولة أخرى في العالم؟
يقول عبد الإله سخير: "يعتبر أهم مصدر للتأطير الديني الذي يتلقاه المغاربة هو الأسرة التي تعد اللبنة الأساس لأي توجه ينشأ عنه الأطفال فيما بعد".
ثم يستشهد بكلام الدكتور عبد الهادي التازي في الموضوع الذي أوضح فيه كيف أن الأطفال يتلقون من أسرهم من ضمن ما يتلقونه عبارات من قبيل "حرام… حلال… صواب… مزيان… خايب".
ثم أكد الدكتور التازي، كيف أن التأطير بالأمس القريب، كان "يقوم على رسالة ابن أبي زيد القيرواني التي كانت لوحدها بمثابة منهاج واضح، لكن اليوم هناك قلة قليلة تعرف اسم هذه الرسالة".
ثم إنه أشار في اقتضاب إلى دور الشارع في التوجيه الديني، حيث يتأتى للأطفال الوقوف على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. فقد يشاهدون أحدهم يقول لطفل أو لشاب: "واش أنت بغيتي الرضا أولا أنت بغيتي السخط". أو يقول له "اسمع يا ولدي لموك الله يرضي عليك". أو يقول له: "واش ما كتحشمش؟"
غير أن الشارع إن كان يقوم بالتأطير الديني العفوي واللامنظم، نيابة عن الأسرة والمدرسة. فإن هذا التأطير، كاد يفقد الآن دوره. حيث تحول الشارع بالتدريج إلى فضاء لسب الدين والسخرية حتى من المتدينين. فضلا عما يشاهد فيه جهارا من تفسخ أخلاقي فاضح!
وبعد دور الأسرة. وبعد دور المعلمين في مختلف أنواع المدارس، وبعد دور الشارع، يأتي دور الكليات والمعاهد العليا في تزويد المتعلمين المفترض بمعلومات دينية يلخصها فقه مالك، وعقد الأشعري، وطريقة الجنيد السالك. إضافة إلى التأكيد على دور خطب الجمعة، وعلى دور ما يلقى من محاضرات، وما يقام من ندوات. وعلى دور وزارة الأوقاف والمجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية الجهوية، والجماعات الإسلامية الدعوية والسياسية. وعلى دور الطرق الصوفية ، دون إغفال دور الدعاة اللامنتمين، ودور القنوات الفضائية والأرضية. كانت مغربية أو غير مغربية. إضافة إلى دور مختلف الإذاعات المحلية والأجنبية.
لدينا إذن مجموعة من المعطيات التي تلزمنا مناقشتها لاختبار موجز لكل ما يتعلق بالتأطير وبالمؤطرين. وكل ما يتعلق باختبار المستفيدين من التأطير. ثم إن علينا اختبار نبض الشارع الذي يعبر بلغة أخرى غير لغة التأطير الديني السياسي الرسمي والسلطوي!
المؤطرون: متى انتهينا من قراءة مقال الكاتب عبد الإله سخير إلى أن المؤطرين الدينيين كثر، فما علينا غير استقراء أحوال بعض المؤطرين هؤلاء جنبا إلى جنب مع استقراء بعض ما لديهم من تأطير. نقصد المادة العلمية الدينية التي تلقنوها قبل قيامهم بتلقينها، أو اعتمادها في الإرشاد الديني.
نقوم بما سوف نقوم به معتمدين على ما يتوفر لدينا من براهين نقلية، ومن أخرى عقلية. إما للتأييد وإما للاعتراض. وإما للتأييد والاعتراض في الآن عينه. إذ من شأن وقوفنا عند المؤطرين دينيا، واحدا تلو آخر، أن نتمكن من معرفة ما ينقصنا، وما هو بين أيدينا للوصول إلى تحقيق نفس الهدف الذي تسعى الدولة إلى تحقيقه كما تقول بلسان وزيرها في الأوقاف والشؤون الإسلامية. نقصد دينا وسطا سالما من المغالاة. مهما يكن نوع هذه المغالاة. ومهما يكن مصدرها. من جهات رسمية! أو من أخرى شبه رسمية! أو من أخرى شعبية!
1- الأسرة: إن كانت الأسرة هي المؤطر الديني الأول للأطفال، فإن الأسر المغربية من حيث معلوماتها في الدين، أسر غير متجانسة ولا متناغمة، وإنما هي متفاوتة في فهمه والعمل به ومتضاربة! إذ أننا لا نتوقع الحصول على نموذج واحد موحد ممن يتم تأطيرهم دينيا في الوسط الأسري قبل أي وسط آخر غيره.
- فلدينا أسر كل أفرادها أميون. يعني أنهم يجهلون القراءة والكتابة. فكيف إذن يؤطرون ما لديهم من أبناء، وما سوف يؤطرونهم به مفتقرون إليه؟ وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقال؟ ففيهم من لا يحسن النطق حتى بالشهادتين! وفيهم من لا يعرفون بالتحديد ما هو الإسلام! وما هو الإيمان! وفيهم من لا يميز بين عبادة الله وبين عبادة الأنداد الممثلين عندنا في الأولياء المفترضين من دوي الأضرحة المزورين المقدسين!
- ولدينا أسر عناصرها لا تجهل مفهوم التوحيد. وتعرف كيف تنطق بالشهادتين. ولكنها لا تعرف كيف تتوضأ. ولا تعرف كيف تصلي. ولا تعرف كسابقتها كيف تميز بين الإسلام والإيمان!
- ولدينا أسر لا تميز بين "الربوبية" وبين "الألوهية". وهي أسر تشكل الغالبية العظمى من أسرنا المغربية. منها النموذجان السابقان. فضلا عن أسر وليها مثقف. بل إنه من ضمن المطالبين بالاحتكام إلى شرع الله! إضافة إلى أنه قيادي في حزب يدعي أن مرجعيته إسلامية!
- ولدينا أسر وليها شيخ لطريقة صوفية. أو هو مريد من مريدي إحدى الطرق الصوفية. يعبد الله وهو يتظاهر بأنه يعبده! إضافة إلى تنكبه عن سنة البشير النذير في بعض المعتقدات، وفي بعض العبادات. بحيث إنه يدعي أن المربوب قادر على العطاء في حياته وفي مماته! كأحمد بن عاشر الذي يشفى على يديه المعوقون وهو على قيد الحياة! ويشفون على يديه وهو في خبر كان!!!
- ولدينا أسر وليها عالم مشهود له بعلو كعبه في المعارف الدينية، إلا أنه تابع من أتباع طريقة صوفية ما بالرغم من كون شيخها أميا جاهلا بالدين! غارقا في الضلال والظلام! من قمة رأسه إلى أخمص قدميه!
- ولدينا أسر حديثة وليها لا يؤمن بأي دين على الإطلاق! إذ الدين عنده مجرد أفيون للشعوب!
- ولدينا أسر أخرى حديثة وليها يؤمن بالدين إيمانا نسبيا لا مطلقا كما هو مطلوب من المؤمنين الصادقين! إنه يريده دينا لا علاقة له بالمجالات السياسية والاقتصادية والمالية! إنه دين ينظم العلاقة بين العبد وربه لا أقل ولا أكثر. ف"ما لقيصر لقيصر وما لله لله"!!!
- ولدينا أسر وليها من العلماء الذين دأبوا على الابتعاد عن كل ما يشوه الدين. وعن كل ما من شأنه أن يحرفه من بدع لا صلة لها به. لا من قريب ولا من بعيد. وهذا النموذج من الأسر ناذر عندنا نذرة الكبريت الأحمر! فضلا عن كون ممثليه في المجتمع محاصرون من أطراف عدة. داخل المغرب وخارجه!
والنتيجة المستخلصة مما قدمناه في عجالة، هي أن الأسرة كمؤطر ديني أول للأطفال، لا تقدم لنا مستفيدين بمقدورهم فهم العقيدة الإسلامية السالمة من أي تشويه! إذ مجرد دخول مربوب ما في الصورة كمقدس يجلب المنافع ويدفع المضار يبعد الأطفال الذين هم رجال الغد عن فهم التوحيد الحق. كما أن دخول كيفيات محدثة في التعبد على اعتبارها طرقا مسلوكة لنيل رضا الرحمان، يبعدهم عن اتباع من أمرنا قرآنيا باتباعه!
فكيف إذن نحمل أولادنا منذ الصغر على التعلق بمذهب مالك الذي لم نعرفه نحن بالذات على حقيقته؟ وكيف نحملهم على الارتباط بالعقيدة الأشعرية التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ونحن في سلوكنا اليومي نسيء إلى هذه العقيدة أيما إساءة؟ وكيف نوهمهم بأن الطرق الصوفية جميعها صورة ناطقة طبق الأصل للطريقة التي كان عليها الجنيد وأصحابه؟
وبما أننا – كأولياء أسر – متفاوتون من حيث فهمنا للدين! ومن حيث نصيب كل منا منه! فلنبحث عن مؤطرين آخرين غيرنا كي يتولوا نيابة عنا إنجاز ما لم نتوفق نحن في إنجازه!
2- دور التدريس في التأطير الديني: لدينا مدرستان ننظر إليهما كمؤسستين تعليميتين ابتدائيتين. نقصد الكتاب القرآني والمدرسة العصرية النظامية. حيث إننا مضطرون هنا إلى طرح جملة من تساؤلات، وإلى تقديم بعض التوضيحات.
هل مؤدب الصبيان مؤهل علميا لمد تلامذته بمعلومات دقيقة واضحة في الدين، تجعلهم يميزون الله كمعبود لا معبود غيره! وتجعلهم يفهمون كيف أنه لا شبيه له؟ وأنه القادر وحده على فعل كل ما يشاء؟ وأن بقية الموجودات هي مخلوقاته المفتقرة إليه؟ وأن البرهان العملي على صدق الإيمان هو الإقرار بالشهادتين، وأداء الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا؟ وأن محمدا رسول الله؟ وأن المؤمنين به ملزمون باتباعه؟ وأنه عبد من عبيد ربه؟ إلى آخر ما يمكن مد الأطفال به من المعلومات المؤكدة الصحيحة عن الدين؟
وبكل تأكيد، فإن طلبة القرآن، سوف يتحول بعضهم بعد حفظهم له إلى مدارس علمية عتيقة يديرها علماء لهم نصيبهم من المعرفة بالنحو واللغة والتفسير والفقه والأصول والحديث. كما أن التلاميذ في المدارس العصرية يتدرجون سنة بعد أخرى في التحصيل، وفي الدرجات التي يجتازونها لغاية ما يصلون إلى القسم الأخير من التعليم الثانوي.
مع التذكير بأن المعلومات الدينية لدى الطلبة تزداد اتساعا وتنوعا بالتدريج من حيث الكم ومن حيث الكيف. فلكل مرحلة برنامجها الذي يتمثل في محاور بعينها، ذات المضمون العقدي، وذات المضمون التعبدي، وذات المضمون الأخلاقي، وذات المضمون التشريعي والقضائي. حيث إنه يصبح بمقدورهم – كمجرد مثال – التمييز بين نوعين من الأحكام الشرعية من جهة: أحكام منصوص عليها، وأحكام اجتهادية. وبين القوانين الوضعية من جهة ثانية.
وتزداد معرفة الطلبة بالدين إن هم تخصصوا في الدراسات الإسلامية كالمتخرجين من جامعة القرويين. أو من دار الحديث الحسنية. أو من شعبة الدراسات الإسلامية في كليات الآداب المغربية.
غير أن لدينا مجموعة من الملاحظات التي نحن ملزمون بإبدائها خدمة للدين، وتنبيها لمختلف الفاعلين في مجاله:
1-هل يفهم المؤطرون الدينيون عندنا بالمغرب المذهب المالكي على حقيقته؟ وهل يدركون أهمية أصوله وفروعه؟ وإن كانوا يدركونهما، فهل وقفوا وقفة تأملية اعتبارية على القيمة الفقهية لعمل أهل المدينة عند مالك الذي كان يرى أن عملهم حجة. وأنهم أعلم بالسنة وبالناسخ والمنسوخ. ويقول في كتابه لليث بن سعد: "إن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن". وخلاصة رأيه في هذا الموضوع أن أهل المدينة إذا اتفقوا على عمل مسألة، واتفق مع العمل علماؤها، فهذا العمل حجة يقدم على القياس. بل ويقدم على الحديث الصحيح"؟
وهل يدرك المؤطرون بأن هناك ممارسات تعبدية لدى المغاربة لا صلة لها إطلاقا بعمل أهل المدينة ؟ وبالتالي لا صلة لها إطلاقا بمذهب مالك؟ وبالتالي لا صلة لها بالسنة النبوية؟
ولنعط بعض الأمثلة هنا باختصار على ما ندعيه: قراءة القرآن جماعة + الدعاء جماعة على إثر الصلوات الخمس + ما يسمى بعشاء الميت + الأربعينية + قراءة القرآن على القبور + قراءته عند دفن الميت + بناء الأضرحة ورفع القباب عليها + الحضرة أو الرقص المرافق لأداء الأذكار جماعة + تأسيس فرق دينية بدعية ضلالية!
2-هل يفهم المؤطرون الدينيون عندنا مضامين العقيدة الأشعرية؟
في الواقع المغربي لا يمكن الادعاء بأنهم يفهمونها لما نلاحظ الناس عليه من ممارسات ومن معتقدات بعيدة كل البعد عن الإسلام: التقدم بالقرابين إلى صاحب ضريح مزور + التماس الزوار منه قضاء مختلف المآرب + التمسح بإزار "دربوزه" وتقبيله + الادعاء بأن من ضمن الأولياء من له قدرة على معالجة أمراض ما في الحياة وفي الممات + الادعاء بأن الولي في قبره يرى ويسمع ويتكلم! إلى آخر ما هنالك من ظلاميات ملتصقة بالطرق الصوفية وبالقبوريين!
3-هل المؤطرون الدينيون عندنا يعرفون الجنيد أو إنهم يجهلونه؟
ما يمارسه الطرقيون يدل على أنهم لا يعرفون من يدعون أنهم على نهجه أو على طريقته!
يقول الجنيد: "الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام".
ويقول: "من لم يحفظ القرآن الكريم، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا (= التصوف) مقيد بالكتاب والسنة"!
فهل القادريون والدرقاويون، والتجانيون، والكتانيون، والبودشيشيون، وغير هؤلاء ينتهجون نهج الجنيد بالتحديد؟ وهل هم مقيدون فعلا في قناعاتهم النظرية وفي ممارساتهم التعبدية بالكتاب والسنة؟ وهل شيوخهم على علم بالكتاب المبين وعلى علم بسنته ص؟ نقصد: هل هم مفسرون ومحدثون؟
إن الجنيد لا يمارس مع أصحابه الذكر الجماعي! ولا يقرأ معهم القرآن جماعة! ولا يذكر معهم الله بالاسم المفرد هكذا: "الله الله"، ولا يذكره معهم ب"هو هو" ولا ب"يا لطيف" ولا يصلي معهم جماعة على النبي ص بصيغ مأثورة عنه، وكيف بصيغ مبتدعة مبتكرة ك"الياقوتة الفريدة" لدى التجانيين. وك"الصلاة الجمالية" لدى البودشيشيين. وك"الصلاة الأنموذجية" لدى الكتانيين.
إنهم إذن لا يعرفون الجنيد، ولا طريقته ولا كيفية الذكر عنده. ولا يعرفون حتى أين يعقد مجالس الذكر، لأنه على عهده لا وجود للزوايا وللتكايا. مع تنبيههم إلى أن مجلس الذكر عنده هو الكلام في موضوعات أخلاقية ودينية ككلامه مثلا عن الأحوال، والمقامات مثل الخشوع، والخوف، والرجاء، والشكر، إلى آخره. مع الإشارة إلى أن الذكر عنده يراد به التذكير أكثر مما يراد به مجرد تكرار ألفاظ أو جمل محددة!
4- ما قدمناه باختصار، مستعدون لإعطاء تفاصيل ضافية عنه ولو في مؤلف مستقل متى اقتضى الحال ذلك. مما يعني أننا نملك من الأدلة ما يكفي لحمل المسؤولين على مراجعة معلومات المؤطرين الدينيين عندنا في أي مستوى كانوا. ومما يعني أن وزارة التعليم، بدعم من وزارة الأوقاف، مطالبة بتعديل البرنامج الخاص بالدين، انطلاقا من التعليم الأساسي، إلى نهاية التعليم الجامعي. والتعديل المطلوب هو إفهام المتعلمين بأن المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، وطريقة الجنيد، كلها تعرضت للتحريف أو للتشويه بكيفيات متفاوتة. مع محاولات جادة لتشخيص الفكر الظلامي الديني أمامهم حتى يساهموا في مواجهته مواجهة صارمة، بتعاون مع جميع الأطراف الثقافية الفاعلة للقضاء عليه، وفي الوقت ذاته لوقوف الجميع على الإسلام الحقيقي الذي لم تلحق به أية شائبة، ولم يلحق به أي تشويه بالنقص أو بالزيادة!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق