الاثنين، 16 نوفمبر 2009

دليل قارئ كتب المتصوفة

لدينا في أذهاننا – ونحن نقرأ ما نقرؤه، أو نطالع ما نطالعه – جملة من الخانات المعرفية التي لا تحدها حدود. وهذه الخانات المستعصية على الإدراك والتخيل، لا يمكن الجزم بأنها معبأة علميا بما فيه الكفاية. ولو أنه تم الحديث قديما عن علماء أو عن مثقفين، هم كدائرة معارف تسير على قدمين. لكنه مع تعاقب الأجيال في عصرنا الحالي بوثيرة سريعة، ومع اتساع دائرة التخصصات في مجالات علمية متنوعة، تضاعفت أمام المتنورين أنواع العرفان ومصادرها شكلا ومضمونا. فأضحى من باب تحصيل ما أمكن منها، يقتضي التسلح بدلائل تسهل عليهم التمييز بين تلك الأنواع تمييزا مطلقا على الأقل. من حيث ما تتضمنه وما يدعيه أصحابها ويدافعون عنه ويحمونه.
ويهمنا هنا – فيما يخص الدين – تلك العودة المحمومة والمريبة إلى أنماط من التدين على الصعيدين: النظري والتطبيقي. منسوبة إلى الإسلام في زعم أصحابها، وفي زعم المروجين لها، وفي زعم حماة هؤلاء وأولئك! نقصد الأنماط التي لم نجد لها في القرآن وفي السنة أي وجود وأي مسوغ! بل إننا نعتبرها من نتاج رجال يرفضون الخضوع لما تم الإجماع عليه من معتقدات! ولما أوصى الرسول باحترامه من ممارسات تعبدية بنفس الكيفية التي كان هو والصحب الكرام يقوم بها.
وجديد المعتقدات، وجديد الممارسات التعبدية المحدثة، وجدناه لدى الصوفية عامة، ولدى الطرقيين منهم خاصة. فكان لزاما علينا ولا يزال، أن نحاول باستمرار إخضاع ما يدعونه وما يصدر عنهم وما يقومون به في الزوايا وخارج الزوايا برضى من الحكام، وبرضى من الأحزاب السياسية، من علمانية ومن إسلامية! كان علينا أن نتسلح بما سوف نقدمه بعد حين من سلاح قوي فعال، إن نحن استخدمناه بإتقان في توجيه ضربات منه إلى الصدور العامرة بالضلال! وإلى البصائر المعمية الظلامية! ساهمنا في تنوير العقول، وفي إيقاظ الهمم، وفي توجيه الناس إلى الدين الحق الذي جرى على يد الصوفيين ومن والاهم - للأسف الشديد – تشويهه وتحريفه.
نقول:ميز الفقهاء والعلماء بين ثلاثة أنواع من الحكم (= البث والقطع): حكم شرعي، وحكم عقلي، وحكم عادي. ونضيف نحن إلى هذا الثالوث: حكم الهوى أو حكم الظن. مع أن هذين الأخيرين غير مقبولين نقلا وعقلا وتجربة.
فالإثبات أو النفي المترتبين على كل هذه الأنواع من الحكم، مردهما إما إلى الشرع. وإما إلى العقل. وإما إلى العادة. وإما إلى الهوى أو الظن. فإن نحن أسندنا الإثبات إلى الشرع، بحيث إنه لا يمكن أن يعلم إلا منه. قلنا إننا أمام حكم شرعي. ومثاله: التصريح بوجوب الصلاة والصوم والزكاة. إلى آخره. وإن نحن أسندنا الإثبات إلى العقل، بحيث لا تتأتى معرفته إلا منه أو من خلاله. قلنا: إننا أمام حكم عقلي. مثاله: أربعة، عدد زوجي. وخمسة، عدد فردي. والقول بأن المأكولات والمشروبات الملوثة مدعاة إلى الإصابة بأمراض جد خطيرة، حكم عادي تجريبي. بالتكرار تمكنا من إصداره. والقول بأن أشخاصا يقابلون في اليقظة بعضا ممن توفوا منذ قرن أو قرنين، حكم غير شرعي، وغير عقلي، وغير تجريبي. إنه حكم ظني يقوم على الهوى والتوهم!إذ لو كان حكما شرعيا لوجدناه في النظم الكريم أو في السنة النبوية. ولو كان حكما عقليا لقبلنا به استنادا إلى عملنا بمبدأين منطقيين هما: "مبدأ الهوية" و"مبدأ عدم التناقض". فالحكم الديني، والحكم العقلي، والحكم التجريبي، أحكام لا تؤيد وجود أشخاص بأعيانهم موتى وأحياء! ففلان، هو إما حي، وإما ميت. نظير الباب الذي نقول بخصوصه: إنه مغلق. أو نقول: إنه مفتوح. أما أن نقول: إنه مغلق ومفتوح في الآن عينه، فحكم غير مسلم به لا على الإطلاق ولا على التقييد!
وما سقناه من أمثلة لإثبات أحكام محددة، يمكن سوق غيرها لنفي أحكام غيرها معينة. فقولنا بأن صوم يوم عاشوراء ليس بواجب، فلأن القائلين بصومه لم يستندوا إلى أي نص شرعي. وقولنا بأن الخطين المتوازيين سوف يلتقيان مع امتدادهما عند نقطة ما، نفي لنظرية معروفة في الهندسة المستوية التي تعود إلى أوقليدس الإغريقي. وقولنا بأن حرارة جسم الإنسان هي في العادة أربعون درجة، نفي لما تكرر بالتجربة التي أدت إلى الحكم بأن معدل حرارة الجسم البشري هو سبع وثلاثون درجة. وقولنا بأن بعض الناس يحجون وهم محمولون على كتفي عفريت من الجن، أو على كتفي ولي مفتوح عليه! أوهم راكبون على ظهر دابة طائرة! حكم ظني وهمي خرافي! وحكم الظن كما نعرف، هو ادعاء صحة قضية ما بغير أي دليل!
نقول: إن هذه المقدمة الموجزة التي تجنبنا أن لا تكون تقليدية، مقدمة ضرورية للقارئ المتبصر الواعد بالفهم والمتابعة والتنقيب، حتى يهتدي إلى كيفية إصدار الأحكام على ما يدعي المتصوفة الضلاليون والظلاميون امتلاكه من حقائق. غيرهم محروم من امتلاكها لسبب بسيط، هو أن هذا الغير المحروم منها، لم يسلك نفس المسلك الذي سلكوه للاقتراب منه سبحانه وتعالى على حد ما يظنون! فيكون علينا حينها الاحتكام إلى الشرع وإلى العقل وإلى التجربة.بدءا بالنظر في النهج الصوفي الذي يتوصلون باعتمادهم عليه إلى ما لا يمكن للمعتمدين على المنقول والمعقول والعادة التوصل إليه.
فإن قال لنا صوفي – على سبيل المثال لا الحصر - : إنني أقصد قبر فلان الهالك منذ عدة قرون كي أستفتيه في قضية استعصى علي حلها، فكان أن خرج من قبره وجلس إلي لبعض الوقت، فمدني بالحل المطلوب! يكون ردنا عرض ما ادعاه على الثالوث المتقدم من أنواع الحكم! وما قيل عن هذا المثال، يقال عن أمثلة أخرى مشابهة نجدها في مؤلفات منسوبة إلى شيوخ مفترضين من ذوي الفتوحات الخرافية في عالم الغيب والشهادة! ومن ذوي الكرامات الوهمية الباطلة التي تصورهم، أو تقدمهم لنا كنوع آخر من البشر خارق للعادة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق