الأحد، 31 مايو 2009

عن جريدة "المساء" المغربية مرحبا بالدكتور "غالوب" في المغرب المضياف!


أولا: ما أنجزه غالوب.

للتعامل مع موضوع علاقة المغاربة بالدين – مباشرة على إثر صدور خريطة التدين عبر العالم من معهد "غالوب" الأمريكي – عبأت جريدة "المساء" نفسها كي تزود قراءها بمعلومات منتقاة عما تناولته. وهي معلومات تريد أن تنفرد بها عن بقية أخواتها من الجرائد المستقلة والمتحزبة. بحيث إنه يتضح منذ القراءة الأولى لما أنجزته، كيف أنها لا تستهدف غير تأييد ما ورد في الخريطة "الغالوبية" بدون ما قيد وبدون ما شرط!

مع التنبيه الفوري إلى "البهار"، أو إلى "التوابل" الانطباعية التي تفضح ميلها إلى الذاتية في تناولها لمختلف محاور الموضوع، ذي الخطورة التاريخية والأخلاقية والسياسية! فإن هي استقر في روعها أن "غالوب" قد أصاب ووفق في إحصائه، فما عليها غير تقديم التفاصيل والشروح التي غابت عنه وعن إحصائه التاريخي الذي قرأته الجريدة "المسائية" قراءة سياسية بامتياز! حيث إن وجهها لم يحمل – كما يظن أصحابها – أي نقاب أو أي حجاب!

وما عبأت به "المساء" نفسها، أو تسلحت به، ينحصر في الآتي:

1- امتداح معهد "غالوب" و الإشادة، أو التنويه به!

2- الممارسة الدينية عند المغاربة أقرب إلى الاعتدال منها إلى التطرف والتعصب!

3- تدين المغاربة بين السياسة والرياضة!

4- المتدينون يندمجون في الحداثة وإن لم يدركوا هذا الاندماج!

5- من يؤطر المغاربة دينيا كسؤال مطروح يقتضي إجابة أو إجابات عليه!

6- تدين السياسيين والرياضيين يأتي للتخفيف من الضغوط النفسية!

ونشير هنا إلى أن الرد الذي سوف نتقدم به على الوارد في "المساء" المغربية. عدد 753. بتاريخ 20/2/2009م. لن يكون ردا خاصا موجها إلى شخص واحد بعينه كمشارك في تناول الموضوع. بحيث نقف عند رأيه وحده، دون أن نتجاوزه إلى رأي غيره. بل إننا سننظر إلى الموضوع المدروس كوحدة. هدفها أولا – وإن لم تكن متناغمة منسجمة – هو التسليم أو الإقرار بأن إحصاء "غالوب" قد أصاب كبد الحقيقة! وأن المغاربة في التدين يحتلون الرتبة التي وضعهم فيها عن جدارة واستحقاق! وهي الرتبة الثالثة بعد كل من مصر (الأولى) وبنغلاديش (الثانية). وهدفها ثانيا توجيه ضربات لازبة إلى الدعويين المتشككين في كون معظم المغاربة متدينين! وهدفها ثالثا امتداح سافر للجهات المؤطرة للشأن الديني في البلد! ووراء هذه الأهداف كلها مجتمعة أو متفرقة، إشارة إلى التلاحم القائم، أو إلى التلاحم الذي ينبغي أن يقوى ويتعزز بين أطراف في معسكر. دوره الآن مرحليا - والأحداث الدينية ساخنة على الساحة السياسية المغربية والدولية هو وضع سدود أو عوائق أمام العاقين الذين يمثلون الطرف "الخصم"! والذين لم يكفوا عن الطعن – منذ عدة عقود – في الوضع الديني بالمغرب، إن على المستوى الشعبي، وإن على المستوى الرسمي!

وهكذا نتناول تباعا ثلاثة عناصر من العناصر الست المعروضة قبله. بحيث إننا سوف نقف أولا عند إحصاء "معهد غالوب" ونقف ثانيا عند ما أنجزه الثالوث المغربي الباحث: محمد الطوزي. ومحمد العيادي. وحسن رشيق بخصوص التدين لدينا في بلدنا. ثم نقف ثالثا عند من يفترض أنهم يؤطرون دينيا جميع المغاربة.

أولا: إحصاء "معهد غالوب":

عندما نتساءل عن الإحصاء ما هو؟ نجد أمامنا إجابتين: إنه في اللغة هو العد على سبيل الإجمال. كإحصاء سكان بلد ما. وكإحصاء مواليده أو وفياته على مدى عقدين، أو على مدى سنة كاملة.

والإحصاء في الاصطلاح "علم يرتكز على تجميع الظواهر والوقائع والأشياء وتنسيقها على نحو يؤدي إلى علامات عددية ثابتة، تمكن الباحث من التكهن بالمستقبل".

مما يدل على أن الإحصاء – بهذا التعريف – منهج علمي منطقي. إنه استقراء يقوم على أساس تتبع أمر ما وتقصيه للوصول بشأنه إلى النتيجة. والنتيجة هنا هي إثبات الحكم للكل بواسطة ثبوته على أكثر أفراد هذا الكل.

فالقول بأن جميع المعادن تتمدد بالحرارة – كمقدمة كبرى في القياس المنطقي – حكم أفرزه المنهج الاستقرائي الذي تم فيه تتبع المفردات المندرجة في الكل الحامل لنفس صفات جزئياته. مما يعني أن الباحث المحصي لظاهرة التدين في العالم كله، أو في بلد بعينه كالمغرب. يعتمد على عينات، أو على جزئيات، عليها يقيم حكمه كنتيجة لاستقرائه. بحيث إنه يخرج من الخاص إلى العام. أو أنه – بعبارة أخرى – يحكم على الكل بما حكم به على الجزء.

فلو حدد المحصي الباحث الموضوعي المحايد مائة عينة لإجراء الاختبار عليها، كما يجري العالم التجريبي اختباراته على الفروض داخل المختبرات. ثم قام باختيارات عشوائية – وحتى باختيارات مقصودة – في وسط بعينه لتلك العينات. ثم انتهى من تتبعها، أو من استقرائها على مهله إلى نتيجة مؤداها أن 99 في المائة من المغاربة متدينون. بحيث إن المسألة هنا تقف عند هذا الحد. دون أن تتعداه – كإنجاز علمي رقمي محسوس – فإن لمنجزه بعد ذلك أن يحظى باحترام من اطلعوا على ما أنجزه. كما حظي به كل من "معهد غالوب" والثالوث الباحث المغربي المذكور منذ حين.

وبعد كل هذه التوضيحات التي نراها ضرورية، والتي هي عندنا بمثابة مقدمات أو تمهيدات، نطرح التساؤلات التالية:

هل نحن ملزمون بتصديق منجزات "غالوب" الإحصائية؟ أو هل نحن ملزمون بقبول استطلاعاته في مختلف القضايا الدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ وهل نقبل بالخصوص، ودون ما اعتراض، خريطته التي رسمها للتدين في العالم؟ وماذا وراء رسم هذه الخريطة من أهداف قد تكون خفية؟ ولأية جهة، أو لأية جهات تم رسمها؟ وما المقابل المادي الذي تلقاه من رسموها من تلك الجهة، أو من تلك الجهات المفترضة؟ وما الذي نستفيده نحن المغاربة بالذات، إن أصبحنا على يقين بأننا فعلا كمتدينين نحتل الدرجة الثالثة في الخريطة التي رسمها "معهد غالوب" الأمريكي مشكورا مأجورا؟ فهل تساعدنا الرتبة التي نحتلها دينيا على ردم الهوة الفاصلة بين المستغلين والبؤساء وآلاف من حملة الشهادات العاطلين عن العمل؟ وهل تغطي مكانتنا العالمية في التدين ما تعرفه بلدنا من غوص في "البغاء" و"الفقر" و"البطالة" و"الظلم" و"الاستغلال" حتى الأعماق؟

فلو نحن افترضنا أن "معهد غالوب" المتصف بالموضوعية وبالنزاهة فيما ينجزه! قام بقياس، أو باستقراء وتتبع كل من ظاهرة البطالة وظاهرة التسول، وظاهرة العهارة والتفسخ. وظاهرة الإدمان على الكحول والمخدرات في مختلف دول المعمور! ثم افترضنا أنه وضعنا في رتبة أسفر عنها عمله الاستقرائي، لكان قد قدم حينها للمسؤولين عندنا خدمة لا تقدر بثمن! إذ على أساسها سوف تتم مواجهة ما استفحل عندنا من الفساد الذي يشكل خطرا داهما على الأفراد والجماعات. ويوجه ضربات قاسية – بلغة الأصوليين – إلى الضرورات الخمس. نقصد حفظ الدين. وحفظ العقل. وحفظ الأعراض. وحفظ النفس. وحفظ المال!

وبما أن المعهد الأمريكي العالمي لم يقدم للمسؤولين عندنا غير خدمة عنوانها: الرتبة التي نحتلها عالميا في التدين. فإننا نتساءل عما إذا كانت هذه الخدمة المجانية باعثا من بواعث التحرك لإحداث شيء ما في المسار اليومي للعمل الديني لدى المغاربة في الجملة؟ كما نتساءل عما إذا كانت بمثابة وسام علقته الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة "مهعدها العلمي" للمشرف عندنا على تنظيم الشأن الديني المحاط بالمجلس العلمي الأعلى، وبالمجالس العلمية الجهوية عبر التراب الوطني، خاصة وأن هذا المشرف لا زال حتى الآن يجتهد في تحقيق نتائج مرضية باهرة لم يفلح في تحقيقها منذ أن خرج باجتهاداته لإنجاز ما طلب منه إنجازه؟

ونفس التساؤلات – على وجه التقريب – نطرحها بخصوص الدراسة الميدانية التي أنجزها الثالوث الاجتماعي المذكور حول الممارسة الدينية في المجتمع المغربي كله. إذ العينات التي تم اعتماده عليها للخروج بنتائج، وقفنا على بعض منها بقلم سعيد الشطبي، مأخوذة "من السكان في مناطق مختلفة من المغرب".

فهل نصدق منجزات الثالوث المغربي؟ وهل نقبل بدون ما تحفظ وبدون ما تمحيص ما وصل إليه هذا الثالوث من نتائج لدراسة كلفته من المتاعب ما لا يمكن لنا جحده أو إنكاره؟

ثم نتساءل مجددا بخصوص "معهد غالوب" فنقول: هل أنجز هذا المعهد ما أنجزه في ظرف ثلاث سنوات لوجه الله عز وجل كما يقال؟ ثم لماذا أنجزه في الظروف السياسية التي يعرفها عالم اليوم؟ ولماذا لم يتم له إنجاز ما أنجزه منذ نشأته سنة 1935م حتى بداية عام 2006م بالتحديد. حيث شرع في إنجاز ما نرحب الآن به عن طيب خاطر؟

فهل تحرك من تلقاء نفسه للقيام ببحث لا ندري بالتحديد هدفه من ورائه؟ أم إنه مدفوع إلى ما قام به ومحمول عليه؟ أو ليست هناك خطة مرسومة بعناية وبدهاء بالغين، وضعتها جهة أو جهات – كما أومأنا إلى ذلك – بحيث أسند تنفيذ فصولها إلى المعهد الأمريكي، لا إلى أي معهد آخر غيره في دنيا المعاهد الإحصائية والاستطلاعية وما أكثرها؟

أو ليست هناك علاقة من نوع ما بين الإرهاب والتدين؟ أو لا تشكل الدول الأكثر تدينا في العالم مرتعا خصبا للإرهاب، ومعقلا من معاقله الحافل بالإرهابيين؟ أو لا تشكل بؤرة من بؤر نموه كحال بانغلاديش الذي يسعى الأمريكيون إلى تقليم أظافر المدارس الدينية بها، والتي تقدر بالآلاف حتى لا تصبح مصدرا للإرهابيين الذين يقصدون دولا كباكستان وأفغانستان والصومال والعراق، حيث المواجهة المفتوحة بين الإسلاميين وبين الاستكبار العالمي؟ أو لا تستفيد الدول المعنية مباشرة بما أنجزه "غالوب" من النتائج التي توصل إليها كي تقي نفسها ما أمكن من جهات متطرفة دينيا، في الظلام تتحرك لا في النور؟

من جهة أخرى، أو لا تشبه دراسة "غالوب" في هذا الوقت بالذات،تلك الدراسات الأنتربولوجية التي كانت حين إنجازها تمهيدا للاستعمار ودليلا صالحا للاستعمال بين يديه؟

أو لا يمكن أن تكون دليلا للطواقم التبشيرية المجندة من وراء الستار لتنصير العالم برمته؟ هذا المخطط الذي كان واضعوه قد حددوا نهاية القرن العشرين لتنفيذه بالكامل! لكن القرن العشرين قد ولى إلى غير رجعة بخيره وشره! دون أن يكون حلم كبار قادة المسيحية وزعمائها قد تحقق على أرض الواقع؟ مما يعني أن هؤلاء القادة وهؤلاء الزعماء، قد يعيدون الكرة، أو قد يستمرون في تنصير من لم يتم تنصيرهم بعد! وخريطة "غالوب" مكنتهم – على ما يبدو – من معرفة مواقع بعينها حيث يلزمهم التركيز عليها لتحقيق الهدف الذي يتطلب أكثر من جهد. وأكثر من طاقات. وأكثر من ميزانيات ضخمة بدون ما ريب؟

مع التنبيه إلى أن الرئيس الأمريكي المنهزم انتخابيا أمام براك أوباما، كان من ضمن المتصدرين لعولمة "التنصير". وإن بقوة الحديد والنار! ومع التنبيه إلى آلاف نسخ الإنجيل التي دخلت رفقة الجيوش الأمريكية الغازية إلى كل من: أفغانستان. والعراق! ثم مع التنبيه إلى أن عملية التنصير، وتصدر جورج بوش لها – من موقعه كرئيس لدولة عظمى – حتى تتم في أقرب وقت ممكن، عبارة عن دراسة موثقة صادفتها في الموقع الإلكتروني لباحثة مغربية جادة اسمها – للأسف الشديد – لم أفلح في تذكره.

ثم مع التنبيه إلى أن الأمريكيين – كقادة للتنصير – قد وجدوا في "الزوايا" وفي " الطرق الصوفية" وفي " القبورية" بديلا مؤقتا عن التنصير الفوري! ما دام هذا الثالوث يجسد شيئين أساسيين:

- الدين المحرف الحامل لفكر ظلامي متخلف رجعي هدام!

- ميل إلى المهادنة اكتفاء من قادته ب"الهبات" أو ب"الفتوح" مقابل استقطاب الجماهير باسم أهمية الروحانيات والكرامات! إلى حد أن الأمريكان أبدوا كامل استعدادهم للتعامل ماديا مع الأنظمة الإسلامية التي ترعى الثلاثي الظلامي المذكور، وتسانده وتؤيده وتحمي زعماءه وقادته!

ونسجل هنا للتاريخ، كيف أن من قدموا "معهد غالوب" والديول المتصلة به إلى القراء على متن جريدة "المساء" لم يطرحوا مثلنا كل التساؤلات التي طرحناها نحن؟ بل ولم يطرحوا حتى بعضا منها ولو بصيغ مختلفة كي لا يقال بأنهم خرجوا عن الترحاب المغربي وحسن ضيافته المجاني للمعهد الأمريكي ولمؤسسه؟ وإنما مجدوا الرجل – كما قلنا – إلى الحد الذي نعتبره نحن قد فاق المعقول؟

تقول الجريدة لإطراء "غالوب" ومعهده – لا للاعتراض على ما أنجزه والتشكيك فيه – "ولضمان الاستقلالية والموضوعية، قرر الدكتور: غالوب (قيد حياته!) أنه سوف يجري اقتراعات غير مدفوع لها بأي شكل من الأشكال من قبل جماعات الضغط أو المصالح الخاصة! مثل الحزب الجمهوري الأمريكي! أو الحزب الديمقراطي! وهو الالتزام الذي تمسكت به مؤسسة "غالوب" حتى اليوم حسب مسؤولي المؤسسة!!!

تاريخيا قامت "غالوب" باستطلاعات مشهود لها بالدقة في التنبؤ الصحيح بنتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. وهناك استثناءات بارزة لتلك الدقة كفوز ترومان على توماس ديوي في انتخابات سنة 1948م. حيث اختار أغلب المقترعين ديوي. وأيضا توقع "غالوب" انتصار جيرارد فورد في سنة 1976م أمام جيمي كارتر. وكان آخر ما قامت به المجموعة هو استطلاعها بخصوص مستوى تدين الشعوب. وقبله تنبأت المؤسسة عبر نتائج استطلاع عالمي قامت به عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية لفوز المرشح الديموقراطي باراك أوباما"!

ونختم هذا المحور بالتساؤل عن القيمة العلمية والتجريبية لعملية الإحصاءات واستطلاعات الرأي والدراسات الميدانية لظواهر اجتماعية واقتصادية وسياسية. هل يمكن رفعها إلى مستوى قيمة العلوم التجريبية التي تصل عند التحقق مخبريا من مختلف الفروض النظرية التي تطرحها إلى واقع مبرهن على صحته بنسبة كبيرة من اليقين. تماما كالفروض المتعلقة قبل إجراء التجارب عليها بظاهرة الضغط الجوي، أو بظاهرة المد والجزر على سبيل المثال؟ أم إن عنصر الذاتية الذي لم يفارق، ولن يفارق دراسة أية ظواهر إنسانية يوصد الأبواب أمام كل محاولة لتأكيد حضور الموضوعية المطلقة في أي استطلاع، وفي أي إحصاء، وفي أية دراسة ميدانية اجتماعية يجريها أي باحث. كان هذا الباحث متخصصا في علم الاجتماع العام. أو كان متخصصا في علم الاجتماع الخاص، كعلم الاجتماع الديني. أو كان متخصصا في تاريخ الأديان. أو كان غير متخصص، لا في هذه ولا في تلك. وإنما هو – كما يقال – مثل وشيظة العظم بين كل هذه الأطراف أو كل هذه المجموعات؟؟؟

الدكتور محمد وراضي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق