إن أسفرت دراسة "معهد غالوب" الأمريكي عن كون المغرب يحتل الرتبة الثالثة عالميا في التدين، بعد كل من مصر وبنغلادش، فإن دراسة الثالوث المغربي الباحث، كشفت عن كون أغلبية المغاربة متدينة بالفعل. أي أنه أقر بطريقته الخاصة ما صرح به "معهد غالوب"! بل إنه قد تجاوزه بخصوص ما قدمه من تفاصيل. سقنا بعضا منها مختصرة في الحلقتين السابقتين الثانية والثالثة.
وإن نحن تساءلنا عن الشروط الموضوعية المتوفرة لظاهرة التدين، للزم أن يكون التأطير في مقدمتها. وهذا التأطير بعينه، هو الذي كان ولا يزال محل القيل والقال! وكثرة السؤال! وإضاعة الأموال في غير طائل ذي بال! بحكم تدخل وزارة الأوقاف فيه من جهة. وبحكم التنازع فيه بين أطراف عدة من جهة ثانية.
نقول: إن هذا التأطير الملفت للنظر في الواقع المغربي اليومي. تناوله – في إطار الترحيب ب"غالوب" – عبد الإله سخير في ص 17 من نفس الجريدة المغربية المستقلة.
وعليه، فإن من حقنا، إن لم يكن من واجبنا أن نتساءل – ونحن من ضمن المعنيين بالأمر – عما يعنيه التأطير ببعده: الديني - السياسي، قبل تناول مختلف أنواعه ومقتضياته ومستلزماته.
فإن كان المعنى اللغوي للتأطير هو وضع شيء ما في إطار محدد. والإطار هو كل ما يحيط بالشيء من الخارج. فإن التأطير بمعناه الاصطلاحي، هو مد مجموعة من المستفيدين بما يلزم من معلومات ومن قواعد ومن ضوابط تمكنهم لاحقا من القيام بتنفيذ ما تم لهم تلقيه في موضوع، أو في موضوعات بعينها على أرض الواقع. تعلق الأمر بما هو نظري، أو تعلق بما هو عملي في مجال معين كالدين الذي نحن بصدد الكلام عن "التأطير" لترسيخه في العقول والنفوس بعد توضيحه وتلقينه وتحبيبه إلى المتدينين، وإلى من يرجى إلحاقهم بصفوف المتدينين. منظورا إليه قبل كل شيء – في السياق الذي نتحدث فيه – بعيون المؤطرين الخاضعين لتعليمات عليا. وذلك حتى يمارس الدين بالكيفية التي تريدها الجهات القائمة وراء هذه التعليمات! أصاب المؤطرون أم أخطأوا؟ عارفون بفحوى التأطير أو جاهلون به؟ أو أنهم بين الجهل به وبين معرفته؟
مما يعني أن قراءة الدين الصائبة ذاتها، إنما ينبغي أن تتولاها تلك الجهات، لا غيرها من بقية الجهات التي تشاركها، أو هي تزاحمها في التأطير والتوجيه! إنها – أي الجهات العليا – هي التي تحدد ما هو مقبول من كيفيات التدين وما هو مرفوض منها! ولم لا، والمجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية الجهوية جميعها تحت إمرتها، وبإذنها، وبإشارة منها تفتي وتناقش، وتدلي بالرأي الحسم في موضوع أمرت بالإفتاء فيه!
إن لديها مقياسا هو الاعتماد على المذهب المالكي في الفقهيات. وعلى المذهب الأشعري في المعتقدات. وعلى طريقة الجنيد في التربية الصوفية. مما يشير إلى أن المغاربة في العمل الديني على خطى هذا الثالوث يتدينون!
ودورنا نحن – كملاحظين بالمشاركة – لأننا لا نملك القدرة على التحرك خارج دائرة التدين كي نشارك بالملاحظة – هو التأكد واقعيا من التزام المغاربة فعلا بمذهب مالك، وبمذهب الأشعري، وبطريقة الجنيد.
إنما من يتولى تأطيرنا كي نتدين كما تريد منا دولتنا أن نتدين؟ ومن يؤطرنا حتى نظل جديرين بالرتبة التي نحتلها عالميا في التدين؟ بل من يؤطرنا حتى نحتل الرتبة الأولى قبل أية دولة أخرى في العالم؟
يقول عبد الإله سخير: "يعتبر أهم مصدر للتأطير الديني الذي يتلقاه المغاربة هو الأسرة التي تعد اللبنة الأساس لأي توجه ينشأ عنه الأطفال فيما بعد".
ثم يستشهد بكلام الدكتور عبد الهادي التازي في الموضوع الذي أوضح فيه كيف أن الأطفال يتلقون من أسرهم من ضمن ما يتلقونه عبارات من قبيل "حرام… حلال… صواب… مزيان… خايب".
ثم أكد الدكتور التازي، كيف أن التأطير بالأمس القريب، كان "يقوم على رسالة ابن أبي زيد القيرواني التي كانت لوحدها بمثابة منهاج واضح، لكن اليوم هناك قلة قليلة تعرف اسم هذه الرسالة".
ثم إنه أشار في اقتضاب إلى دور الشارع في التوجيه الديني، حيث يتأتى للأطفال الوقوف على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. فقد يشاهدون أحدهم يقول لطفل أو لشاب: "واش أنت بغيتي الرضا أولا أنت بغيتي السخط". أو يقول له "اسمع يا ولدي لموك الله يرضي عليك". أو يقول له: "واش ما كتحشمش؟"
غير أن الشارع إن كان يقوم بالتأطير الديني العفوي واللامنظم، نيابة عن الأسرة والمدرسة. فإن هذا التأطير، كاد يفقد الآن دوره. حيث تحول الشارع بالتدريج إلى فضاء لسب الدين والسخرية حتى من المتدينين. فضلا عما يشاهد فيه جهارا من تفسخ أخلاقي فاضح!
وبعد دور الأسرة. وبعد دور المعلمين في مختلف أنواع المدارس، وبعد دور الشارع، يأتي دور الكليات والمعاهد العليا في تزويد المتعلمين المفترض بمعلومات دينية يلخصها فقه مالك، وعقد الأشعري، وطريقة الجنيد السالك. إضافة إلى التأكيد على دور خطب الجمعة، وعلى دور ما يلقى من محاضرات، وما يقام من ندوات. وعلى دور وزارة الأوقاف والمجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية الجهوية، والجماعات الإسلامية الدعوية والسياسية. وعلى دور الطرق الصوفية ، دون إغفال دور الدعاة اللامنتمين، ودور القنوات الفضائية والأرضية. كانت مغربية أو غير مغربية. إضافة إلى دور مختلف الإذاعات المحلية والأجنبية.
لدينا إذن مجموعة من المعطيات التي تلزمنا مناقشتها لاختبار موجز لكل ما يتعلق بالتأطير وبالمؤطرين. وكل ما يتعلق باختبار المستفيدين من التأطير. ثم إن علينا اختبار نبض الشارع الذي يعبر بلغة أخرى غير لغة التأطير الديني السياسي الرسمي والسلطوي!
المؤطرون: متى انتهينا من قراءة مقال الكاتب عبد الإله سخير إلى أن المؤطرين الدينيين كثر، فما علينا غير استقراء أحوال بعض المؤطرين هؤلاء جنبا إلى جنب مع استقراء بعض ما لديهم من تأطير. نقصد المادة العلمية الدينية التي تلقنوها قبل قيامهم بتلقينها، أو اعتمادها في الإرشاد الديني.
نقوم بما سوف نقوم به معتمدين على ما يتوفر لدينا من براهين نقلية، ومن أخرى عقلية. إما للتأييد وإما للاعتراض. وإما للتأييد والاعتراض في الآن عينه. إذ من شأن وقوفنا عند المؤطرين دينيا، واحدا تلو آخر، أن نتمكن من معرفة ما ينقصنا، وما هو بين أيدينا للوصول إلى تحقيق نفس الهدف الذي تسعى الدولة إلى تحقيقه كما تقول بلسان وزيرها في الأوقاف والشؤون الإسلامية. نقصد دينا وسطا سالما من المغالاة. مهما يكن نوع هذه المغالاة. ومهما يكن مصدرها. من جهات رسمية! أو من أخرى شبه رسمية! أو من أخرى شعبية!
1- الأسرة: إن كانت الأسرة هي المؤطر الديني الأول للأطفال، فإن الأسر المغربية من حيث معلوماتها في الدين، أسر غير متجانسة ولا متناغمة، وإنما هي متفاوتة في فهمه والعمل به ومتضاربة! إذ أننا لا نتوقع الحصول على نموذج واحد موحد ممن يتم تأطيرهم دينيا في الوسط الأسري قبل أي وسط آخر غيره.
- فلدينا أسر كل أفرادها أميون. يعني أنهم يجهلون القراءة والكتابة. فكيف إذن يؤطرون ما لديهم من أبناء، وما سوف يؤطرونهم به مفتقرون إليه؟ وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقال؟ ففيهم من لا يحسن النطق حتى بالشهادتين! وفيهم من لا يعرفون بالتحديد ما هو الإسلام! وما هو الإيمان! وفيهم من لا يميز بين عبادة الله وبين عبادة الأنداد الممثلين عندنا في الأولياء المفترضين من دوي الأضرحة المزورين المقدسين!
- ولدينا أسر عناصرها لا تجهل مفهوم التوحيد. وتعرف كيف تنطق بالشهادتين. ولكنها لا تعرف كيف تتوضأ. ولا تعرف كيف تصلي. ولا تعرف كسابقتها كيف تميز بين الإسلام والإيمان!
- ولدينا أسر لا تميز بين "الربوبية" وبين "الألوهية". وهي أسر تشكل الغالبية العظمى من أسرنا المغربية. منها النموذجان السابقان. فضلا عن أسر وليها مثقف. بل إنه من ضمن المطالبين بالاحتكام إلى شرع الله! إضافة إلى أنه قيادي في حزب يدعي أن مرجعيته إسلامية!
- ولدينا أسر وليها شيخ لطريقة صوفية. أو هو مريد من مريدي إحدى الطرق الصوفية. يعبد الله وهو يتظاهر بأنه يعبده! إضافة إلى تنكبه عن سنة البشير النذير في بعض المعتقدات، وفي بعض العبادات. بحيث إنه يدعي أن المربوب قادر على العطاء في حياته وفي مماته! كأحمد بن عاشر الذي يشفى على يديه المعوقون وهو على قيد الحياة! ويشفون على يديه وهو في خبر كان!!!
- ولدينا أسر وليها عالم مشهود له بعلو كعبه في المعارف الدينية، إلا أنه تابع من أتباع طريقة صوفية ما بالرغم من كون شيخها أميا جاهلا بالدين! غارقا في الضلال والظلام! من قمة رأسه إلى أخمص قدميه!
- ولدينا أسر حديثة وليها لا يؤمن بأي دين على الإطلاق! إذ الدين عنده مجرد أفيون للشعوب!
- ولدينا أسر أخرى حديثة وليها يؤمن بالدين إيمانا نسبيا لا مطلقا كما هو مطلوب من المؤمنين الصادقين! إنه يريده دينا لا علاقة له بالمجالات السياسية والاقتصادية والمالية! إنه دين ينظم العلاقة بين العبد وربه لا أقل ولا أكثر. ف"ما لقيصر لقيصر وما لله لله"!!!
- ولدينا أسر وليها من العلماء الذين دأبوا على الابتعاد عن كل ما يشوه الدين. وعن كل ما من شأنه أن يحرفه من بدع لا صلة لها به. لا من قريب ولا من بعيد. وهذا النموذج من الأسر ناذر عندنا نذرة الكبريت الأحمر! فضلا عن كون ممثليه في المجتمع محاصرون من أطراف عدة. داخل المغرب وخارجه!
والنتيجة المستخلصة مما قدمناه في عجالة، هي أن الأسرة كمؤطر ديني أول للأطفال، لا تقدم لنا مستفيدين بمقدورهم فهم العقيدة الإسلامية السالمة من أي تشويه! إذ مجرد دخول مربوب ما في الصورة كمقدس يجلب المنافع ويدفع المضار يبعد الأطفال الذين هم رجال الغد عن فهم التوحيد الحق. كما أن دخول كيفيات محدثة في التعبد على اعتبارها طرقا مسلوكة لنيل رضا الرحمان، يبعدهم عن اتباع من أمرنا قرآنيا باتباعه!
فكيف إذن نحمل أولادنا منذ الصغر على التعلق بمذهب مالك الذي لم نعرفه نحن بالذات على حقيقته؟ وكيف نحملهم على الارتباط بالعقيدة الأشعرية التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ونحن في سلوكنا اليومي نسيء إلى هذه العقيدة أيما إساءة؟ وكيف نوهمهم بأن الطرق الصوفية جميعها صورة ناطقة طبق الأصل للطريقة التي كان عليها الجنيد وأصحابه؟
وبما أننا – كأولياء أسر – متفاوتون من حيث فهمنا للدين! ومن حيث نصيب كل منا منه! فلنبحث عن مؤطرين آخرين غيرنا كي يتولوا نيابة عنا إنجاز ما لم نتوفق نحن في إنجازه!
2- دور التدريس في التأطير الديني: لدينا مدرستان ننظر إليهما كمؤسستين تعليميتين ابتدائيتين. نقصد الكتاب القرآني والمدرسة العصرية النظامية. حيث إننا مضطرون هنا إلى طرح جملة من تساؤلات، وإلى تقديم بعض التوضيحات.
هل مؤدب الصبيان مؤهل علميا لمد تلامذته بمعلومات دقيقة واضحة في الدين، تجعلهم يميزون الله كمعبود لا معبود غيره! وتجعلهم يفهمون كيف أنه لا شبيه له؟ وأنه القادر وحده على فعل كل ما يشاء؟ وأن بقية الموجودات هي مخلوقاته المفتقرة إليه؟ وأن البرهان العملي على صدق الإيمان هو الإقرار بالشهادتين، وأداء الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا؟ وأن محمدا رسول الله؟ وأن المؤمنين به ملزمون باتباعه؟ وأنه عبد من عبيد ربه؟ إلى آخر ما يمكن مد الأطفال به من المعلومات المؤكدة الصحيحة عن الدين؟
وبكل تأكيد، فإن طلبة القرآن، سوف يتحول بعضهم بعد حفظهم له إلى مدارس علمية عتيقة يديرها علماء لهم نصيبهم من المعرفة بالنحو واللغة والتفسير والفقه والأصول والحديث. كما أن التلاميذ في المدارس العصرية يتدرجون سنة بعد أخرى في التحصيل، وفي الدرجات التي يجتازونها لغاية ما يصلون إلى القسم الأخير من التعليم الثانوي.
مع التذكير بأن المعلومات الدينية لدى الطلبة تزداد اتساعا وتنوعا بالتدريج من حيث الكم ومن حيث الكيف. فلكل مرحلة برنامجها الذي يتمثل في محاور بعينها، ذات المضمون العقدي، وذات المضمون التعبدي، وذات المضمون الأخلاقي، وذات المضمون التشريعي والقضائي. حيث إنه يصبح بمقدورهم – كمجرد مثال – التمييز بين نوعين من الأحكام الشرعية من جهة: أحكام منصوص عليها، وأحكام اجتهادية. وبين القوانين الوضعية من جهة ثانية.
وتزداد معرفة الطلبة بالدين إن هم تخصصوا في الدراسات الإسلامية كالمتخرجين من جامعة القرويين. أو من دار الحديث الحسنية. أو من شعبة الدراسات الإسلامية في كليات الآداب المغربية.
غير أن لدينا مجموعة من الملاحظات التي نحن ملزمون بإبدائها خدمة للدين، وتنبيها لمختلف الفاعلين في مجاله:
1-هل يفهم المؤطرون الدينيون عندنا بالمغرب المذهب المالكي على حقيقته؟ وهل يدركون أهمية أصوله وفروعه؟ وإن كانوا يدركونهما، فهل وقفوا وقفة تأملية اعتبارية على القيمة الفقهية لعمل أهل المدينة عند مالك الذي كان يرى أن عملهم حجة. وأنهم أعلم بالسنة وبالناسخ والمنسوخ. ويقول في كتابه لليث بن سعد: "إن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن". وخلاصة رأيه في هذا الموضوع أن أهل المدينة إذا اتفقوا على عمل مسألة، واتفق مع العمل علماؤها، فهذا العمل حجة يقدم على القياس. بل ويقدم على الحديث الصحيح"؟
وهل يدرك المؤطرون بأن هناك ممارسات تعبدية لدى المغاربة لا صلة لها إطلاقا بعمل أهل المدينة ؟ وبالتالي لا صلة لها إطلاقا بمذهب مالك؟ وبالتالي لا صلة لها بالسنة النبوية؟
ولنعط بعض الأمثلة هنا باختصار على ما ندعيه: قراءة القرآن جماعة + الدعاء جماعة على إثر الصلوات الخمس + ما يسمى بعشاء الميت + الأربعينية + قراءة القرآن على القبور + قراءته عند دفن الميت + بناء الأضرحة ورفع القباب عليها + الحضرة أو الرقص المرافق لأداء الأذكار جماعة + تأسيس فرق دينية بدعية ضلالية!
2-هل يفهم المؤطرون الدينيون عندنا مضامين العقيدة الأشعرية؟
في الواقع المغربي لا يمكن الادعاء بأنهم يفهمونها لما نلاحظ الناس عليه من ممارسات ومن معتقدات بعيدة كل البعد عن الإسلام: التقدم بالقرابين إلى صاحب ضريح مزور + التماس الزوار منه قضاء مختلف المآرب + التمسح بإزار "دربوزه" وتقبيله + الادعاء بأن من ضمن الأولياء من له قدرة على معالجة أمراض ما في الحياة وفي الممات + الادعاء بأن الولي في قبره يرى ويسمع ويتكلم! إلى آخر ما هنالك من ظلاميات ملتصقة بالطرق الصوفية وبالقبوريين!
3-هل المؤطرون الدينيون عندنا يعرفون الجنيد أو إنهم يجهلونه؟
ما يمارسه الطرقيون يدل على أنهم لا يعرفون من يدعون أنهم على نهجه أو على طريقته!
يقول الجنيد: "الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام".
ويقول: "من لم يحفظ القرآن الكريم، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا (= التصوف) مقيد بالكتاب والسنة"!
فهل القادريون والدرقاويون، والتجانيون، والكتانيون، والبودشيشيون، وغير هؤلاء ينتهجون نهج الجنيد بالتحديد؟ وهل هم مقيدون فعلا في قناعاتهم النظرية وفي ممارساتهم التعبدية بالكتاب والسنة؟ وهل شيوخهم على علم بالكتاب المبين وعلى علم بسنته ص؟ نقصد: هل هم مفسرون ومحدثون؟
إن الجنيد لا يمارس مع أصحابه الذكر الجماعي! ولا يقرأ معهم القرآن جماعة! ولا يذكر معهم الله بالاسم المفرد هكذا: "الله الله"، ولا يذكره معهم ب"هو هو" ولا ب"يا لطيف" ولا يصلي معهم جماعة على النبي ص بصيغ مأثورة عنه، وكيف بصيغ مبتدعة مبتكرة ك"الياقوتة الفريدة" لدى التجانيين. وك"الصلاة الجمالية" لدى البودشيشيين. وك"الصلاة الأنموذجية" لدى الكتانيين.
إنهم إذن لا يعرفون الجنيد، ولا طريقته ولا كيفية الذكر عنده. ولا يعرفون حتى أين يعقد مجالس الذكر، لأنه على عهده لا وجود للزوايا وللتكايا. مع تنبيههم إلى أن مجلس الذكر عنده هو الكلام في موضوعات أخلاقية ودينية ككلامه مثلا عن الأحوال، والمقامات مثل الخشوع، والخوف، والرجاء، والشكر، إلى آخره. مع الإشارة إلى أن الذكر عنده يراد به التذكير أكثر مما يراد به مجرد تكرار ألفاظ أو جمل محددة!
4- ما قدمناه باختصار، مستعدون لإعطاء تفاصيل ضافية عنه ولو في مؤلف مستقل متى اقتضى الحال ذلك. مما يعني أننا نملك من الأدلة ما يكفي لحمل المسؤولين على مراجعة معلومات المؤطرين الدينيين عندنا في أي مستوى كانوا. ومما يعني أن وزارة التعليم، بدعم من وزارة الأوقاف، مطالبة بتعديل البرنامج الخاص بالدين، انطلاقا من التعليم الأساسي، إلى نهاية التعليم الجامعي. والتعديل المطلوب هو إفهام المتعلمين بأن المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، وطريقة الجنيد، كلها تعرضت للتحريف أو للتشويه بكيفيات متفاوتة. مع محاولات جادة لتشخيص الفكر الظلامي الديني أمامهم حتى يساهموا في مواجهته مواجهة صارمة، بتعاون مع جميع الأطراف الثقافية الفاعلة للقضاء عليه، وفي الوقت ذاته لوقوف الجميع على الإسلام الحقيقي الذي لم تلحق به أية شائبة، ولم يلحق به أي تشويه بالنقص أو بالزيادة!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق