الأحد، 31 مايو 2009

عن جريدة "المساء" المغربية مرحبا بالدكتور "غالوب" في المغرب المضياف!

     ثالثا: أرقام متناقضة وادعاءات خاطئة.

         استنتج الثالوث الباحث باعتماد الأرقام هذه المرة أن 87 في المائة من المغاربة لديهم مصحف أو أكثر. وأن 83 في المائة منهم مع الحجاب. وأن 16 في المائة عبروا عن رغبتهم في الانتماء للجمعيات الإسلامية!

         وهذا يعني بالتحديد أن عدد من لديهم المصحف في بيتهم هو ( 26.100.000) مواطن، على اعتبار أن سكان المغرب الآن يقدرون ب(30 مليون نسمة) بينما عدد الذين حرموا أنفسهم من امتلاك المصحف لا يتجاوز (3.900.000) مواطن. في حين بلغ المؤيدون لارتداء الحجاب (24.900.000) مغربي ومغربية. أما الراغبون في الانتساب إلى جمعيات إسلامية، فينحصر عددهم في (4.800.000) مواطن.

         وأمام هذه النسب الرقمية التي  لا ندري بالتحديد كيف انتهى إليها أصحابنا الباحثون. نقصد عملية   استخلاص النسب، انطلاقا من عدد العينات التي شملها البحث الميداني المباشر، فانتهاء بقراءة مضامين الاستمارات قراءة خالية من "التوابل" الذاتية. أو من "البهار" الأيديولوجي الذي سوف نشم رائحته كرائحة سابقه، ونحن نمعن النظر في الأرقام التي بين أيدينا كنسب خاضعة لبحث موضوعي نزيه كما يدعي القائمون به!

         نقول: إن كانت غالبية المغاربة "تمارس دينها انطلاقا من إدراكها الفطري! ومما علمت من تعاليم دينية بسيطة" فهل هذه الغالبية هي ممن لها مصحف في المنزل، والتي تشكل 87 في المائة من المستجوبين؟ أم إن الغالبية المقصودة هي دون نسبة 87 في المائة بقليل؟ أم هي أكثر من 90 في المائة؟ أم أنها قد تجاوزت 50 في المائة. بحيث يصح أن تكون هي 52 في المائة كنسبة انتخابية في انتخاب رئيس أمريكي؟ أو في انتخاب رئيس فرنسي؟ لا في انتخاب رئيس ليبي؟ أو رئيس جزائري؟ أو رئيس مصري؟ وقد يصح أن تكون الأغلبية الواردة لدى الثالوث المغربي الباحث هي 99 في المائة. كنسبة مشابهة لنسبة استفتاء عام على دستور دولة كسوريا والمغرب نفسه؟

         ثم ما علاقة نسبة 87 في المائة بالتدين لدى الشعب المغربي؟ وما الذي تعنيه نسبة 83 في المائة من المغاربة الذين يؤيدون ارتداء الحجاب؟ ومن أي منطلق؟ فهل هذا يعني أن المؤيدين لارتدائه متدينون؟ ثم ما الذي تعنيه نسبة 16 في المائة من المغاربة الذين يرغبون في الالتحاق بجمعيات إسلامية؟ وما المقصود هنا بهذه الجمعيات؟ هل المقصود هو الجماعات الدعوية؟ أم الجماعات الخيرية؟ أم إن المقصود هو الجماعات الدينية السياسية كالعدل والإحسان. وكالعدالة والتنمية. والمعروف بالسلفية؟

         وإن كانت هذه الجماعات تمارس كلا من الدعوة والعمل السياسي في الآن ذاته. فهل انتهى البحث السوسيولوجي الموضوعي لدى الثالوث المغربي الدارس إلى أن نسبة 16 في المائة من المغاربة والتي تعني بالأرقام (4.800.000) مواطن، هي النسبة التي تشكل الإسلام السياسي والدعوي مقابل نسبة 84 في المائة المفترضة المعارضة للانتساب إلى أي تكتل جمعوي إسلامي أو إلى أية فرقة. بغض النظر عن الانتساب إلى طوائف صوفية على اعتبار أنها بدورها جمعيات إسلامية بمعنى من المعاني. يعنى أن نسبة 16 في المائة من المغاربة المتدينين تمثل نشازا في الصفوف أو خروجا عن الإجماع. هذا إن كان هناك إجماع بالفعل؟ مما يفيد بأن الأغلبية المتدينة انطلاقا من "الإدراك الفطري" المفترض مستهدفة من طرف أقلية. من شأن مختلف تصرفات هذه الأقلية التشويش على المتدينين الذين لم تفلح محاولات "أسلمتهم" في تنيهم عن التدين الحقيقي الذي لم تنقطع تلك الأغلبية عن ممارسته منذ فتح جند المسلمين للشمال الإفريقي بأجمعه؟

         لنذكر الثلاثي الباحث هنا. ولنذكر معه كل قارئ لما نكتبه الآن، بأن العلماء في ميادين تخصصاتهم يحددون الظاهرة التي سوف يدرسونها أولا. ثم يتأكدون من هويتها ثانيا. وإن هم قطعوا هذين الشوطين. شرعوا في العمل الاستقرائي المعروفة شروطه ومستلزماته.

         فعالم الاجتماع المقبل على دراسة ظاهرة الزنا بلغة القرآن في مدينة أو في منطقة ما من مناطق بلدنا، لا بد أن يعرف ما هو الزنا. كما عليه أن يعرف ما هو الانحراف الخلقي إن هو أقدم على دراسة ظاهرة الانحراف الخلقي. يعني أنه ملزم موضوعيا بمعرفة أية ظاهرة من الظواهر المجتمعية التي يرغب في دراستها. ثم إن عليه – حتى لا يقع ضحية الذاتية والتحيز – أن يتجنب الملاحظة بالمشاركة. وأن يصب كل همه على المشاركة بالملاحظة.

         ما نعنيه على وجه الدقة هو ضرورة معرفة الثلاثي المغربي الباحث لمفهوم "التدين". أو معرفته لمفهوم "الممارسة الدينية". إذ لا تستقيم أية دراسة تجريبية لظاهرة اجتماعية غير مفهومة للدارس!

         إن التدين – باختصار شديد – عمل مفروض على أي مسلم، وعلى أية مسلمة أداؤه. وهذا العمل المفروض الذي يشكل الشق التطبيقي للدين - لا الشق النظري - له صفتان، بدون توفرهما يفقد التدين على الفور معناه. فما هما الصفتان اللتان على عمل المتدين الاتصاف بهما؟

         أولا: لا بد أن يكون عمله أو تدينه خالصا لله تعالى وحده. إذ الرياء أو التظاهر بالدين من المحرمات.

         قال نبي الهدى والرحمة: "من سمع سمع الله به. ومن يرائي يرائي الله به".

         ف"سمع" بتشديد الميم وفتحها معناه: أظهر عمله للناس رياء. و"سمع الله به" معناه: فضحه يوم القيامة!

أما من "يرائي" أي من يظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم وهو ليس كذلك، فإن الله تعالى يرائي به جهارا. بحيث إنه سبحانه يكشف عما كان يضمره أمام الأشهاد غدا يوم الحساب والميزان!

         وعليه، فإن من يحملون السبحة في اليد، أو في العنق أمام الملأ، يقول لسان حالهم بالحرف "إننا على عبادة ربنا دؤوبون. فنحن لم نكتف بأداء ما علينا من واجبات مشتركة، بل إننا حملنا أنفسنا حملا على ذكر ربنا في كل وقت وحين"!

         فضلا عن كون حمل السبحة لعد الأذكار بدعة ضلالة! ولمن يريد التأكد مما ندعيه، فما عليه غير مطالعة كتاب "البدع والنهي عنها" لتلميذ سحنون القيرواني محمد بن وضاح الأندلسي.

         إضافة إلى أن الاشتغال بالأذكار والأدعية جماعة داخل المساجد وداخل الزوايا وخارجها. وداخل المنازل وخارجها، بدع لا علاقة لها بمذهب مالك بأي وجه من الوجوه! وليراجع من أراد تصحيح معلوماته كتاب "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" للقاضي عياض اليحصبي المغربي السبتي..

         إضافة إلى الكثير من البدع التي غرق فيها المغاربة حتى الأعماق ولا يزالون. هذه البدع التي أتيحت لي فرص فضح بعض منها في جريدة مغربية أسبوعية منذ عدة سنوات.

         ثانيا: لا بد أن يكون عمل المتدين – إلى جانب كونه خالصا – صوابا . والصواب هو السداد أو مطابقة لما يعتبر حقا أو صحيحا بالفعل. فجرى الحديث هكذا عن "صواب رأي". وعن "صواب قضية". وعن "طريق الصواب".

         فإن كان الإخلاص هو أن لا يشرك المؤمن أحدا بعبادة ربه، بما في ذلك هواه أوميولاته. فإن الصواب هو أداء كل متدين لما عليه كما كان نبي الهدى والرحمة يؤديه. أو ليس هو الذي خاطبنا بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"؟ وبقوله: "خذوا عني مناسككم".

         والنتيجة المستخلصة مما تقدم، هي أن العمل الذي تنقصه صفة الإخلاص مرفوض. وأن العمل الذي تنقصه صفة الصواب مرفوض. يعني بعبارة أخرى أن عمل المؤمن إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل. وإذا كان صوابا غير خالص لم يقبل. ولا يقبل الله تعالى من المؤمن أي عمل تعبدي إلا إذا كان خالصا صوابا في الوقت ذاته.

         فإن كان التدين غير مكتمل إلا بتوفره على الصفتين المذكورتين. فكيف يحق للثالوث المغربي الباحث أن يخلص إلى أن غالبية المغاربة متدينون؟ فعلى ماذا اعتمد لنشر هذه الأطروحة التي تمخض عنها بحثه السوسيولوجي كما يدعى؟

         وما قول هذا الثالوث في الذين يتقدمون بالقرابين إلى أصحاب الأضرحة الذين تحولوا مع مرور الزمن إلى مجرد عظام نخرة، أو إلى مجرد رميم يشبه الهباء؟ فهل يعتبر هؤلاء متدينين مخلصين لربهم لا يشركون أحدا بعبادته؟ ثم ما هي بالتحديد الأعداد المنتمية إلى طرق صوفية ضلالية غرقت في تشويه الدين حتى الأعماق؟

         نعم، قد يتوصل الثالوث المغربي الباحث إلى نتائج ربما فاقت النسبة التي قال بأنها تشكل النسبة المتدينة بالمغرب. تماما كما توصل إليها "معهد غالوب" الذي صنفنا في الرتبة الثالثة من حيث التدين. إلا أنه لا "معهد غالوب" ولا الثالوث المغربي الباحث على بينة تامة من مفهوم التدين الحق كما قلنا! مما يفيد كيف أن النتائج التي توصل إليها الطرفان، ليست سوى مجرد تناول لما هو سطحي خارجي! والحال أن المعلومات المتعلقة بموضوع التدين المشوه المنحرف عن الجادة، موجودة في جملة من المصادر والمراجع التي أذكر من بينها: "التصوف الطرقي بالمغرب المعاصر" لهذا العبد المذنب الذي يدافع بالأدلة العقلية والنقلية عما هو حق لا وهم! كما أذكر من بينها مؤلفي الأخير الذي أعطت جريدة "الأصداء" المحترمة الوقورة صورة واضحة مختصرة عنه. إنه "عرقلة الفكر الظلامي الديني للنهضة المغربية". هذا الذي كنت ولا أزال أنتظر من يحاول مناقشة مختلف المحاور التي عالجتها فيه، مستندا إلى أدلة، على الطرقيين والقبورين والمشعوذين دحضها إن هم على بينة من دين الله الحق. في حين أن السوسيولوجيين قد يعذرون إن هم اكتفوا بوصف ما اعتبروه حقيقة لسبب بسيط، هو أن جل علماءنا يفضلون كتمان ما أنزل علينا ربنا من البينات والهدى! إما خوفا من، وإما طمعا في!

         هذا ولم يقف الأمر عند حد الأخطاء المرتكبة من طرف الثالوث الباحث. نقصد الأخطاء التي أوضحنا بعضا منها ولو بإيجاز. فها هو ذا خطأ فادح آخر يلمس بالأيدي. ويشم  – إن شئنا - حتى بالأنوف.

         قال سعيد الشطبي: "وأما ما تعلق بعلاقة المغاربة بقراءة القرآن وحفظ كلام الله. فقد أكدت الدراسة (= دراسة الثالوث الباحث) أن نسبة كبيرة من المغاربة لا يحفظون ولو كلمة من القرآن"!

         ثم بعد هذا الكلام العائم الفضفاض يقول: "وفي الإطار ذاته كشف البحث أن 82.1 في المائة من الذين شملتهم الدراسة يستظهرون بعض السور القرآنية فقط. وأن 11 في المائة يؤكدون أنهم لا يحفظون شيئا من كتاب الله"! كأن الثالوث الباحث هذا "يخوض ويلعب"! فإن قال نفس الباحثين: إن نسبة كبيرة من المغاربة لا يحفظون ولو كلمة واحدة من القرآن. فلا يمكن أن تكون هذه النسبة أقل من 80 في المائة! وقد تصل إلى 82 في المائة بدون كسر! ثم إنه ليس من المنطق في شيء أن نبرم هنا ونفك هناك غير بعيد عن المكان الذي أبرمنا فيه ما أبرمناه! أي إنه لا يمكن الادعاء بأن 1،82 في المائة من المغاربة يستظهرون بعض السور القرآنية فقط! والحال أن هذا الادعاء سبقه ادعاء آخر يقول: إن غالبية المغاربة لا يحفظون ولو كلمة واحدة من القرآن! فإذا بهذه الغالبية نفسها تستظهر بعض السور القرآنية لا غير؟! فهل نقف عند هذه التناقضات الصارخة كي نضحك؟ أم نقف عندها كي نبكي ونستبكي؟؟؟

الدكتور محمد وراضي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق