لنفرض جدلا بأن دولة ما، أو جهة ما، قد أعلنت عن إجراء مسابقة شعرية. وأنها رصدت لمن يحتلون الصفوف الثلاثة الأولى مبلغا من المال. وأن عدد المشاركين فيها لا يتجاوز العشرين.
فهل يصح إعلان النتائج والمسابقة لم يتم إجراؤها بعد؟ وهل نحن بإعلانها في هذه الحالة أمام عدل. أم نحن على العكس أمام ظلم؟
ثم لنقل بأن مصير أي مسلم بعد الموت، إنما تحدده أعماله. بحيث إن أعماله سوف توضع في الميزان. الحسنة منها في كفة، والسيئة منها في كفة. فإن ترجحت الكفة الأولى على الثانية. كان صاحبها من الفائزين. وإن ترجحت الكفة الثانية على الأولى، كان صاحبها من الخاسرين.
فإن صح أن إعلان نتائج المسابقة الشعرية قبل إجرائها ظلم. فهل يصح الحكم من طرفنا – كبشر – لأحد من موتانا بالجنة أو بالنار؟ أم إن الحق المبين وحده سبحانه هو الذي يعرف مصير كل عبد من عبيده؟
وماذا يمثل قولنا: إن فلانا مرحوم أو مغفور له؟ هل لدينا مقاييس نعتمدها للتأكد من مصيرنا أو مصير غيرنا قبل البعث والحساب والميزان؟ أم إننا قد ندعي معرفتنا بالغيب. وأننا قد تمادينا في التطاول على ما هو من خصوصيات ربنا إن نحن حكمنا لأحدنا بالجنة أو بالنار؟ وإلا فمن أخبرنا بنتيجة لن تصبح معروفة لأي منا إلا بعد الإعلان عنها غدا يوم القيامة؟
عندما كنت من طلبة العلم منذ عدة قرون كان شيخنا – رحمه الله – لا يمل من تكرار هذا البيت الشعري:
لا تحكمن لأحد بالجنة ولا بنار إن أردت السنة
ثم علمت بعد حين، كيف أن الأمر يتعلق بعقيدة أهل السنة والجماعة. فقد قال أبو الحسن الأشعري في "الإبانة عن أصول الديانة": "وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا. إلا من شهد له رسول الله ص بالجنة".
مما يعني أن الحكم لأحدهم بالجنة في مثل قولنا: مرحوم، أو مغفور له، تطاول على الله، وادعاء معرفة غيبه، وضرب لعقيدة أهل السنة والجماعة في الصميم. مما يجعلنا – ونحن نزكي غيرنا بدون ما دليل – متعدين آثمين مذنبين.
وخطابنا هنا موجه إلى كل من يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إنه موجه أولا إلى كافة المسلمين. وموجه ثانيا إلى القائمين على تحرير مختلف الصحف والمجلات. وموجه ثالثا إلى كل من يرغب في وضع لوحة على قبر مفقوده حتى يتجنب وصفه في تلك اللوحة بالمرحوم، أو بالمغفور له. خاصة وأن الكتابة على القبر منهي عنها، كما أن بناء القبر ذاته منهي عنه بنصوص حديثية معروفة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق