مرجعية إسلامية؟ أو مرجعية علمانية؟
من حقنا أن نتساءل عما تعنيه المرجعية؟ إنها في المعاجم اللغوية المعاصرة مرادفة ل"السلطة". فهل هذا يعني أن للإسلاميين سلطتهم الخاصة. وأن للعلمانيين سلطتهم المتميزة؟ هذا إن نحن تقيدنا بالمعنى اللغوي للكلمة. أما إن نحن تحللنا من هذا المعنى المعجمي، باحثين عن المعنى الاصطلاحي، فإن مفهوم المرجعية موكول النبش عنه إلى المدرك الشخصي لأي باحث يريد الخوض في مجال يحيط به الالتباس من كل جانب، نقصد مجال توليد مفاهيم جديدة، أو على الأصح، تحريف مفاهيم قديمة عن مدلولها التاريخي! ف"تواجد" كفعل على سبيل المثال، تم انتزاعه قسرا من قاموس "التصوف" و"المتصوفة".
إن التواجد عندهم يعني "تكلف الوجد (بفتح الجيم) واستعماله كاستعمال الرقص والشطح". أما "الوجد" (بفتح الجيم)، فالذي "يرد على القلب ويصادمه بلا تأمل ولا تكلف. هو إما شوق مقلق، أو خوف مزعج". مما يفيد بأن المتواجدين نوعان: من يتكلفون الوجد أو التظاهر بإحساس ذوقي على إثر سماع ما يبعث في النفس الخوف أو الرجاء. ومن يتواجدون من شدة الخشوع بدون ما تكلف، فيكون التواجد عبارة عن إحساس غريب يعتري المتبتلين الخاشعين، لا الفقراء الشطاحين العابثين بالدين!
إنها مجرد إشارة منا لتحويل الانتباه إلى التمييز المعروف لدى الباحثين بين "مصدر" وبين "مرجع". فالأول متقدم زمنيا على الثاني، وكلاهما في باب البحث العلمي مطلوب. وعليه تكون المرجعية اصطلاحا في نظرنا، هي ما تم التنصيص عليه من أفكار سياسية واجتماعية واقتصادية ومالية وأخلاقية، إلى آخره. وإن شئنا قلنا: إنها فلسفة شاملة، يؤدي اعتمادها في الحياة إلى تنظيم أي مجتمع ينشد الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار والنمو المتواصل، بحيث يكون من الطبيعي – والناس بالفطرة أحرار متساوون – أن يختلفوا في اختيار المرجعية التي يريدون الركون إليها لأسباب خاصة ولأخرى عامة.
وقد اتضح الآن – ونحن في أواخر عام 2011م – أن في العالمين: العربي والإسلامي تتصارع مرجعيتان: واحدة دينية، والثانية علمانية. ونؤرخ لوقف العمل بالأولى، والشروع في العمل بالثانية، بدخول الاستعمار إلى بلداننا، مما يعني أن عمر الأولى طويل، وأن عمر الثانية قصير، والمقايسة البسيطة بين المرجعيتين، تكشف عن ضعف مردودية العلمانية بصورها المختلفة: الليبرالية، والاشتراكية الديمقراطية، والاشتراكية الثورية. مما يبرر انتفاضات الشعوب التي لم تحقق أحلامها في ظل أي نظام من هذا الثالوث الذي فرض عليها من الأعلى. أي إنها لم تحقق إنسانيتها المجسدة في الكرامة قبل كل شيء! ومما يؤكد بالملموس كيف أن قادته لم يكونوا غير "أقلية خادعة" مزودة بالفكر الظلامي السلطوي والحزبي، مما يعطي كامل الحق للإسلاميين الذين نعني بهم هنا حملة مشروع نهضوي متكامل واعد، يتجاوز إن تم تقنينه وتطبيقه سلبيات الأنظمة الرجعية التي وقفنا على همجيتها ووحشيتها في التعامل مع شعوبها المسالمة التي لم تطالب سوى بحقها الذي حرمت منه لعقود تلو عقود.
ثم تزداد حجج الإسلاميين قوة، ما دامت الشعوب قد هبت برمتها للمطالبة بما لم يتوفر لديها بعد سنوات ثقيلة من الحكم الاستبدادي الذي يدافع كلاميا عن أنظمة ثبت فشلها بالملموس، وإلا فما الذي دفع بالشعب التونسي، والليبي، والمصري، واليمني، والبحريني، والجزائري، والسوري، والمغربي، إلى الحراك المعقلن الذي أدى إلى سقوط أكثر من ديكتاتور وأكثر من نظام في ظروف، أقل ما يقال عنها إنها كشفت عن وجهين: وجه مقيت للأنظمة التي حاولت الإمساك بالاستبداد حتى آخر رمق! ووجه طاهر طهور كل همه التخلص من الاستعباد، كي تعود إليه إنسانيته التي يبحث عنها ويناضل من أجلها، مقدما تضحيات هي لديه رخيصة وإن تمثلت في الموت الذي يعد معبرا يقدمه الأبطال لعبور المناضلين إلى حيث يحصلون على الذي من أجله يضحون.
إن الأمر هنا قضية عامة لا قضية خاصة، وإلا فإن الفوارق موجودة فعلا بين الحركة الإسلامية في كل من تونس والمغرب والجزائر، وليبيا ومصر، وسوريا، واليمن، والبحرين. فبين الإخوان المسلمين في مصر وبين البنكرانيين والياسينيين بالمغرب - كمجرد مثال – هوة، قطعها صعب تنفيذه تاريخيا واجتماعيا وسياسيا على أرض الواقع! فجماعة قدمت مع مطلع القرن العشرين حتى الآن آلافا من الضحايا – وفي صفوفها علماء فطاحل كالسيد قطب – وجماعة ليس على رأسها عالم جهبذ خبير بغوامض الأمور، مختارا مصلحة الدين على أية مصالح أخرى، وفي مقدمتها مصلحته الخاصة. يعني أن كل جماعة إسلامية سياسية، عبرت إلى الطرف الآخر الحاكم جالسة إلى جواره، واقعة في أحضانه، وقد استقلت نفس مراكبه للعبور إليه، لا نظن أنها تشم من رائحة المرجعية الإسلامية التي تدعي الإمساك بها غير ذرات إن حاولنا الإمساك بها، ما وجدنا غير الهباء وحده!
فإن قيل: "العبرة بالمقدمات" نقول نحن هنا: إنما هي ب"النتائج"، خاصة متى كانت المقدمات واضحة البطلان! وكأننا من باب التوقعات نتكلم، لا من باب النبوءات التي هي أشبه بنبوءات العرافين. خاصة متى ركزنا على قراءة مصير العمل العلماني السلطوي في المغرب بالذات، لا في دولة عربية أو إسلامية غيره!
ولنوضح للتدليل على ما ندعيه - وكأننا نبرهن على ما نريد إيصاله إلى أذهان المتعلمين بوسائل الإيضاح - نقول: ما يجري العمل به في الواقع المغربي حتى الآن، هو تطبيق جوانب سلبية من الليبرالية القائمة على أساس علماني كتفعيل للمرجعية العلمانية على الأرض. بينما تظل المرجعية الإسلامية مجرد حلم! فهل نتوقع من الإسلاميين تجسيد هذا الحلم الجميل بين عشية وضحاها كمعطى مطلوب في ظرف خمس سنوات؟ بحيث يتحول معه وبه المجتمع المغربي إلى مجتمع متكامل ومتراص الصفوف ومستقر، وسعيد، وحر كريم آمن؟
ما يبدو في الأفق – ودهاليز الفساد ضاربة بجذورها في أعماق الكثير من المدن والقرى – لا يبشر، وإنما ينذر بالثبور إذا ما اعتقد معتقد أن صورة المجتمع المغربي سوف تتحول إلى مجتمع خاضع لنظام قطع أشواطا بعيدة في سبيل أسلمته! مع الإشارة الفورية إلى أن ما نقصده، لا يعني تطبيق الحدود والقصاص، وكأن تمكين المجتمعات من الامتثال لتعاليم الدين يتوقف فقط على "العين بالعين" ورجم "الزانية والزاني"! كلا، إن الإسلام كمرجعية يتجاوز هذا الفهم الضيق الذي ينزله عليه من يصرون على فصله عن السياسة. إنه نظام يتحرك من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأعلى إلى الأسفل في تراتبية معقلنة، يحكمها التساوي بين الحاكم والمحكوم أمام النصوص الثابتة، وأمام الفروع المتفرعة عنها كأحكام تنضبط باحترام قواعد التطور والاستنباط والتفريع، حتى لا يظل الأمر رهين التخمينات والتشريعات الخاضعة لميول ولأهواء أي مشرع كان! أما أن تسقط التراتبية التي ينبني عليها النظام السياسي في الإسلام، فوداعا عند من لا يحترمون هذا الطرح للمرجعية الإسلامية المزعومة. والتراتبية هنا لا تسقط حقوق المندرجين تحتها بغير أدلة قاطعة! لكنها في الوقت ذاته، لا تمنح لأي كان وضعا مريحا إن لم يكن الوضع ذاك من صنع جماعي يقضي من كل راغب مشارك في الصنع أن يحترم قواعد إنزال الدين على الأرض. والبقية تأتي.
محمد وراضي

أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذف