صح لدينا أن السلفية أنواع. ويصح تبعا لما صح قبله، أن تكون من حيث حمولتها الفكرية على درجات، يختزلها ما جرى (في الماضي). وما يجري (في الحاضر). وما سوف يجري (في المستقبل) الذي هو غيب ليس لنا إلى معرفته بدقة من سبيل!
فسلفية الطوطميين في أدغال أفريقية وعلى ضفتي نهر الأمازون، غير سلفية العرب العاربة والمستعربة في شبه جزيرتهم قبل بعثة الرسول الأكرم، وغير سلفية المسلمين المتفقهين الملتزمين حتى الآن.
فإن كان طابع السلفيات في الأزمنة الموغلة في القدم هو "الانغلاق". فقد أصبح طابعها بعد حين من الدهر هو "الانفتاح". دون الخوض هنا في الملابسات التي أدت إلى هذا التحول التاريخي بالتدريج. فكان أن تم الالتجاء إلى الاقتباس المتبادل – عن طريق التواصل والتفاهم – من سلفيات عدة. وهذا تبرير واقعي منا للحديث عن التراث البشري ككل. أو للحديث عن السلفية المشتركة بتعبير آخر مغاير.
غير أن الالتجاء إلى الاقتباس مشروط بشروط. في مقدمتها أن لا نقتبس ما هو عندنا متوفر! أو ما نحن في غنى عنه! إذ لا يعقل أن ننتج – كبلد فلاحي – ما يكفي من زيت الزيتون. ثم نسعى إلى استيراد المزيد منه من دول يفصلنا عنها البحر الأبيض في الشمال الجغرافي!
ثم إن شروط الاقتباس – كإتمام للفائدة – أن لا يكون المقتبسون على جهل بالسلفية التي ترعرعوا في أحضانها. وإلا وصفوا بالاندفاع والسفه (= ضعف في التفكير)! دون أن يدركوا لا من "الواقعية" ولا من "الموضوعية" غير التشدق بهما حبا في الظهور، وجريا لا محسوب العواقب وراء التباهي!
فهم إن تحدثوا عن الثورة الفرنسية. مجدوا "الحرية" و"المساواة" و"الأخوة" كعنوان، نظيره لم تحمله أية حركة إصلاحية في التاريخ البشري برمته! وهي نفسها سوف تتصدر لاحقا مسمى "الميثاق العالمي لحقوق الإنسان". ناسين أو جاهلين بأن ديننا لم يقف عند حد المناداة نظريا بكافة أنواع حقوق البشر الطبيعية، وإنما جسدها المؤمنون منذ الوهلة الأولى لظهور الإسلام على أرض الواقع. أو ليس عمر بن الخطاب هو الذي قال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"؟
والتاريخ يرشدنا إلى أن سلفيتنا قد استنكرت واستهجنت أيما استهجان بما يكفي من الشدة والصرامة والموضوعية، ما كانت سلفية الجاهليين تمارسه من جرائم شنعاء ضد الإنسانية كقتل للأولاد، ووأد للبنات! وهو ما يمارسه الآن بالجملة طواغيت ليبيا.. واليمن.. وسوريا!
فيكون الإسلام - بلغة اليسار العلماني عندنا – ثورة على الظلم،، والجهل،، والتخلف،، والعفونة الفكرية،، وقحط في العواطف والمشاعر والأحاسيس الدفاقة المرهفة!
وإلا، فأي جرم ارتكبه طفل قتل، لأن أباه خشي أن يموت من الجوع على حد زعمه؟ والحال أن الموت في الحالتين كلتيهما واحد! والأيام حبلى بالمتوقع! وفي الوقت ذاته حبلى بغير المتوقع! وفي الإيمان بالرزاق ذي القوة المتين حل، بل وفيه حلول لأي مشكل يعن لنا نحن كمخلوقات نسبية!
ثم أي جرم جنته طفلة بريئة والدها أقدم على دفنها بدم بارد وهي بعد على قيد الحياة؟ أو لم يحرمها من حقها الطبيعي في العيش؟ أو لم يتعمد الإساءة إلى من تعتبر في كل الأحوال شريكة حياته ورفيقة دربه؟ أو لا تملك هذه الرفيقة المكلومة في فلذة كبدها حق الاعتراض والاحتجاج وحق الرفض؟
نلتمس الإجابات الدينية والمنطقية والأخلاقية على تساؤلاتنا ممن تسلحوا بسلفية ذاك الآخر الذي عانينا من سلفيته ما عانيناه، عندما كنا خاضعين لجبروته الذي لا يصدر إلا عن متوحشين، بينهم وبين التمدن والتحضر بالمفهوم العقلي الإنساني والعاطفي بون شاسع!
فإن لم نجد مطلبنا لدى الآخر ذاك الذي كان وراء قتل الملايين من البشر – منذ خروجه من عصر الظلمات على حد ما يدعي – بدون ما مبرر أخلاقي أو قانوني أو إنساني،، أو ديني!
فلنلتمسه لدى التلاميذ النجباء الذين تخرجوا من مدارسه منذ تحرره المزعوم من ظلاميات القرون الوسطى: الليبرالية،، والاشتراكية،، والشيوعية! لنلتمسه تحديدا عند أحزابنا العلمانية المتسلطة الطاغية التي على رأسها ديكتاتوريون، لا يعرفون من الدين غير اسمه،، ولا من الأخلاق غير المناداة بها في مختلف خطبهم الديماغوجية!
إنهم على رأس الأنظمة في تونس،، وفي ليبيا،، وفي مصر،، وفي اليمن،، وفي سوريا،، وفي الجزائر! أو لم يرجعوا إلى الوراء التاريخي المظلم كي يمارسوا كل ألوان الاعتداءات التي جرمها الدين وعمل على إلغاء مفعولها ومؤاخذة فاعليها؟ أو لم يرجعوا إلى الظلام الذي لا يهم أقطابه غير التمتع بالنفوذ والسيطرة والاستعباد، والملذات، على حساب الأمم التي تؤدي من عرق جبينها ومن دمها ثمن استهتارهم – كمتسلطين – بكل القيم الجميلة المميزة للإنسان عن باقي الحيوانات في البر والبحر؟ والحال أن هذه تعرف من الرحمة والشفقة ما لا يعرفه القذافي وأسد سوريا، ونمر اليمن، وفهد تونس، وصقر أرض الكنانة! حتى البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، سعى جلاوزة الأسد ومتعهد القذافيات برعايتها إلى خرابها، كأنها مراقص أو دور للدعارة! فبالأمس "الاثنين" 9-4-2011م. شاهدت صدفة على شاشة إحدى القنوات الفضائية برنامجا علميا وثائقيا مثيرا حقا للانتباه. يتعلق الأمر بمجموعة من التماسيح وبمجموعة من السلاحف التي تضع بيضها قريبا من ضفاف الأنهار. شاهدت تمساحا يحمل في فمه صغاره لمجرد خروجهم من البيض، ويحمل في نفس الوقت بعض البيض الذي هو على وشك أن يفقس، فيتجه بما يحمله على مهله إلى النهر، حيث يضعه بلطف شديد في الماء الراكض لا في الماء الجاري!!! ثم يتولى حراسته حتى يطمئن إلى أن أولاده قد تجاوزوا مرحلة التعرض لأية مخاطر محتملة، لو أنهم تركوا وشأنهم بدون ما عناية وبدون ما اهتمام!
والأغرب من هذا المشهد الأول، ذاك الموالي حيث تدخل تمساح آخر لحمل سلحفاة صغيرة، حديثة العهد بالخروج من البيضة، من اليابسة إلى النهر، مخافة تعرضها لهجمات الطيور الكاسرة! مع أن السلحفاة من جنس، والتمساح من جنس آخر! لكن الحكام ممن غضبت عليهم شعوبهم تماسيح لا تتطرق الرحمة إلى قلب أي منهم على أية حال! فكيف بالحياء الذي يسقط ادعاء الإيمان عند من لا يتحلون به؟ إنهم نسبوا كل أنواع حراك شعوبهم مرة إلى القاعدة! ومرة إلى السلفيين الذين انشقت عنهم المدن السورية فجأة! وفي الوقت الذي أراد الأسد وجلاوزته أن تنشق عنهم ك"شبيحة" مخربين! إنهم في درعة التي توسل مواطنوها إلى السلطة الحاكمة بأمرها كي تهب لحمايتهم من هجمات السلفيين الشرسة! فما كان من السلطة غير الاستجابة الفورية من باب الشفقة على أبنائها المظلومين! فقد سعت – على حد زعمها – إلى تحرير أهل درعة من الغزاة القادمين من وراء الحدود!!
وتدرك المسرحية المحبوكة المفبركة – تنفيذا لبنود سلفية ذاك الآخر على الأرض – ذروتها بإسناد دورين متناقضين فيها إلى السلفيين المندسين المسلحين بأحدث الأسلحة وأقدرها على الفتك بالضحايا الأبرياء أكثر من سواها.
1- دور هجومهم الوحشي على الشعب الغاضب الثائر! إلى حد أنهم يعتلون سطوح المنازل حيث يطلقون النار عليهم اعتباطيا كيفما اتفق!
2- اعتداؤهم على الجنود الذين هم حراس الشعب وحماته!
هذا ما تعلمه الأسد من سلفية الغربيين الصليبيين التي شرب نخبها حتى الثمالة! فكان أن أصر على تنفيذ ما تعلمه ولو على حساب شعبه!! والعدو الصهيوني المحتل لهضبة الجولان السورية، يراقب ما يجري عن قرب وهو جدلان من التشفي والفرجة المجانية!!! وعلى غرار ما أصر النظام السوري الطاغية على تنفيذه من اصطياد الأهداف البشرية كطرائد مباحة مشروعة! أصر القدافي على اقتحام البيوت، واغتصاب النساء، وقتل الأولاد والشيوخ واليتامى والمرضى ومعوقين ومكفوفين! ثم لا يستحيي هو ولا نظراؤه في اليمن ومصر وتونس وسوريا من وصف: "أهل الله" بالظلاميين، بينما هم فوق برج الفكر الظلامي السلطوي والحزبي يتربعون! ويصيحون ويكذبون ويلفقون! متجاوزين كل الصفات التي تجعل منهم بشرا أسوياء! فقط لأنهم مخبولون معتوهون أغبياء!!!
الدكتور محمد وراضي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق